تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
التّغيّر عليه ، ومن المعلوم أنّ القرآن المنزّل تدريجا لا يخلو عن ناسخ ومنسوخ ، وعن التّدريج الّذي هو نحو من التّبدّل ، فالكتاب المبين الّذي هو أصل القرآن وحكمه الخالي عن التّفصيل أمر وراء هذا المنزّل ، وإنّما هذا بمنزلة اللّباس لذاك . ثمّ إنّ هذا المعنى ، أعني كون القرآن في مرتبة التّنزيل بالنّسبة إلى الكتاب المبين - ونحن نسمّيه بحقيقة الكتاب - بمنزلة اللّباس من المتلبّس ، وبمنزلة المثال من الحقيقة وبمنزلة المثل من الغرض المقصود بالكلام هو المصحّح ؛ لأن يطلق القرآن أحيانا على أصل الكتاب ، كما في قوله تعالى :
بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
، إلى غير ذلك . وهذا الّذي ذكرنا هو الموجب لأن يحمل قوله :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
، وقوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
، وقوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
على إنزال حقيقة الكتاب والكتاب المبين إلى قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله دفعة ، كما أنزل القرآن المفصّل على قلبه تدريجا في مدّة الدّعوة النّبويّة . وهذا هو الّذي يلوح من نحو قوله تعالى :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
« 1 » ، وقوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
« 2 » . فإنّ الآيات ظاهرة في أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان له علم بما سينزل عليه ، فنهي عن الاستعجال بالقراءة قبل قضاء الوحي . وبالجملة فإنّ المتدبّر في الآيات القرآنيّة لا يجد مناصا عن الاعتراف بدلالتها على كون هذا القرآن المنزّل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله تدريجا متّكئا على حقيقة متعالية عن أن تدركها أبصار العقول العامّة ، أو يتناولها أيدي الأفكار المتلوّثة بألواث الهوسات وقذارات المادّة ، وأنّ تلك الحقيقة أنزلت على النّبيّ إنزالا ، فعلّمه اللّه بذلك حقيقة ما عناه بكتابه . فهذا ما يهدي إليه التدبّر ويدلّ عليه الآيات ، نعم ، أرباب الحديث - والغالب من المتكلّمين والحسّيون من باحثي هذا العصر - لمّا أنكروا إصالة ما وراء المادّة المحسوسة
هامش
( 1 ) - طه / 114 . ( 2 ) - القيامة / 16 - 19 .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 391 | السيد علي الموسوي الدارابي