إليه ملك الوحي صبيحة تلك اللّيلة ، وأوحى إليه قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ
« 1 » الآيات .
قال : فهذا هو معنى نزول القرآن في شهر رمضان ومصادفة بعثته لليلة القدر ، وأمّا ما يوجد في بعض كتب الشّيعة من أنّ البعثة كانت يوم السّابع والعشرين من شهر رجب ، فهذه الأخبار على كونها لا توجد إلّا في بعض كتب الشّيعة الّتي لا يسبق تاريخ تأليفها أوائل القرن الرّابع من الهجرة ، مخالفة للكتاب كما عرفت .
قال : وهناك روايات أخرى في تأييد هذه الأخبار ، تدلّ على أنّ معنى نزول القرآن في شهر رمضان ، أنّه نزل فيه قبل بعثة النّبيّ من اللّوح المحفوظ إلى البيت المعمور ، وأملاه جبريل هناك على الملائكة حتّى ينزل بعد البعثة على رسول اللّه ، وهذه أوهام خرافيّة دسّت في الأخبار ، مردودة أوّلا : بمخالفة الكتاب . وثانيا : أنّ مراد القرآن باللّوح المحفوظ هو عالم الطّبيعة ، وبالبيت المعمور هو كرة الأرض ؛ لعمرانه بسكون الإنسان فيه ، انتهى ملخّصا .
ولست أدري أيّ جملة من جمل كلامه - على فساده بتمام أجزائه - تقبل الإصلاح حتّى تنطبق على الحقّ والحقّيّة بوجه ؟ فقد اتّسع الخرق على الرّاتق ففيه :
أوّلا : أنّ هذا التّقوّل العجيب الّذي تقوّله في البعثة ونزول القرآن أوّل ما نزل ، وأنّه صلّى اللّه عليه وآله نزل عليه
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
وهو في الطّريق ، ثمّ نزلت عليه سورة الحمد ، ثمّ علّم الصّلاة ، ثمّ دخل البيت ونام تعبانا ، ثمّ نزلت عليه سورة المدّثّر صبيحة اللّيلة فأمر بالتّبليغ ، كلّ ذلك تقوّل لا دليل عليه لا آية محكمة ولا سنّة قائمة ، وإنّما هي قصّة تخيّليّة لا توافق الكتاب ولا النّقل .
وثانيا : أنّه ذكر أنّ من المسلّم أنّ البعثة ونزول القرآن والأمر بالتّبليغ مقارنة زمانا ، ثمّ فسّر ذلك بأنّ النّبوّة ابتدأت بنزول القرآن ، وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله نبيّا غير رسول ليلة واحدة فقط ، ثمّ في صبيحة اللّيلة أعطي الرّسالة بنزول سورة المدّثّر ، ولا يسعه أن يستند في ذلك إلى كتاب ولا سنّة ، وليس من المسلّم ذلك . أمّا السّنّة فلأنّ لازم ما طعن به في جوامع
هامش
( 1 ) - المدّثر / 1 - 2 .