الوحدة الكمّيّة
الوحي ظاهرة منجّمة ، فهو في أساسه متفاصل ، شأن مجموعة عدديّة ، أي أنّه متكوّن من وحدات متتالية هي الآيات ، وهذه الخاصية توحي إلينا بفكرة الوحدة الكمّيّة ، فكلّ وحي مستقلّ يضمّ وحدة جديدة إلى المجموعة القرآنيّة . بيد أنّ هذه الوحدة القرآنيّة ليست ثابتة ، فهي لا تماثل الوحدة الّتي تزيد في مجموعة الأعداد حين يضاف واحد إلى ثلاثة أو أربعة أو خمسة ؛ ليؤدّي إلى الوحدة العددية التّالية .
فإنّ للوحي مقياسا متغيّرا هو كمّيّته أو سعته ، تلك السّعة الّتي تتراوح بين حدّ أدنى هو الآية ، وحدّ أقصى هو السّورة .
وتأمّل هذه الوحدة يتيح لنا بعض الملاحظات المفيدة عن العلاقة بين الذّات المحمّديّة والظّاهرة القرآنيّة ؛ إذ هي تتناسب في الزّمن مع الحالة الخاصّة الّتي سمّيناها « حالة التّلقّي » عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم .
ولقد رأينا - بصفة خاصّة - أنّ إرادته تنعدم مؤقّتا ؛ إذ هو عاجز في تلك اللّحظات عن أن يغطّي وجهه المحتقن ، المتفصّد عرقا فعن هذه الذّات العاجزة فجأة - وللحظات - تصدر وحدة التّنزيل ، وعلى هذه الذّات الخارقة في حالة لا شعوريّة تقريبا يطبع الوحي فجأة فقراته الوجيزة .
تلك هي وحدة « الظّاهرة القرآنيّة » من ناحية الكم ، وهي الّتي ندرسها بالنّسبة لهذه الذّات العاجزة مؤقّتا ، والّتي هي « حامل الوحي » .
هذه الوحدة تؤدّي بالضّرورة فكرة واحدة ، وأحيانا مجموعة من الفكر المنتظمة في أسلوب منطقيّ يمكننا ملاحظته في آيات القرآن ، ودراسة هذه الفكر في ذاتها ، وفي علاقتها ببقيّة حلقات السّلسلة ، تكشف عن قدرة خالقة ومنظّمة ، لا يمكن أن تنطوي عليها الذّات المحمّديّة في تلك الظّروف النّفسيّة الخاصّة بحالة تلقّيها الوحي ، بل حتّى في ظروفها الطّبيعيّة ، بشرط أن نقرّ نتائج المقياس الأوّل .
وحقيقة ، ما ذا نقول في فكرة لدى إنسان لم يفكّر فيها ، ولا يمكنه أن يفكّر فيها في الحالة الخاصّة الّتي يعانيها ؟
نصوص في علوم القرآن — صفحة 381
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٣٨١