يتعلّق بشخصه - أن ينتظر أمرا صريحا من الوحي .
ومثال آخر عندما كان الأمر بالنّسبة له يحتّم اتّخاذ قرار في موقف محيّر مريب ، بينما ينتظر - على أحرّ من الجمّر - وحي اللّه الحاسم . ولقد تعرّض النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لمثل هذه الحيرة في حادثة الإفك ، الّتي لم يفصل فيها الوحي إلّا بعد شهر من الانتظار على مضض . كان هذا يبدو - في الظّاهر - تورّطا وحرجا لم يلبث المستهزءون أن وجّهوا من أجلهما نقدهم الجارح إلى النّبيّ ، وكان هو يتألّم لذلك أحيانا .
وعليه فمهما كان الافتراض الّذي يوضع عن طبيعة القرآن ، فإنّ هناك سؤالا كبيرا يتردّد حول هذا الموضوع ، ألم يكن من الممكن أن يتدفّق جملة واحدة من العبقريّة الإنسانيّة الّتي ربّما يكون قد صدر عنها ؟
ولكنّا برجوعنا خلال الزّمن نستطيع أن نحكم بأهميّة هذا التّنجيم الفذّ للوحي ، أهميّة قصوى لنجاح الدّعوة .
إذ بما ذا كنّا نفسّر من الوجهات التّاريخيّة والاجتماعيّة والأدبيّة قرآنا يهبط كأنّما هو برق خاطف في ظلمات الجاهليّة ؟
وما ذا يعني هذا بالنّسبة لتاريخ النّبيّ ، لو أنّه كان قد تلقّى وحيا كلّيّا فجائيّا ، لو أنّه تلقّاه كوثيقة ، أي نوعا من صحف التّفويض لدى بني الإنسان ؟
أي أمل كان يمكن أن يلتمسه عنده قبيل بدر مثلا ، لو أنّه - بدلا من أن يتوقّع إمداد الملائكة - ظلّ يكرّر آية سبق أن حفظها عن ظهر قلب ؟
إنّنا ببحثنا مسألة تجزئة الوحي في ضوء هذه النّظرات نستطيع أن ندرك أوّلا قيمته التّربويّة .
فتلك في الواقع هي الطّريقة التّربويّة الوحيدة الممكنة في حقبة تتّسم بميلاد دين وبزوغ حضارة .
وسيهدي الوحي خلال ثلاثة وعشرين عاما سير النّبيّ وأصحابه خطوة خطوة نحو هذا الهدف البعيد ، وهو يحوطهم في كلّ لحظة بالعناية الإلهيّة المناسبة . فهو يعزّز جهودهم العظيمة ، ويدفع أرواحهم وإرادتهم نحو هدف الملحمة الفريد في التّاريخ ، فيكرم بآية
نصوص في علوم القرآن — صفحة 379
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٣٧٩