تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
صريحة قضاء شهيد أو استشهاد بطل . كيف كان القرآن يؤدّي دوره حيال طبيعة الإنسان الّتي جاء يصوغها في ذلك العصر ، لو أنّه سبق بنزوله أحداث حنين وأحد ؟ وما ذا كان يكون ، لو أنّه لم يأت لكلّ ألم بعزائه العاجل ، ولو أنّه لم ينزل لكلّ تضحية جزاءها ، ولكلّ هزيمة أملها ولكلّ نصر درسه في الاحتشام ، ولكلّ عقبة إشارة إلى ما تقتضيه من جهد ، ولكلّ خطر أدبيّ أو مادّي روح التّشجيع اللّازم لمواجهته ؟ وكلّما كان الإسلام ينتشر في ربى الحجاز ونجد ، كان الوحي يتنزّل بالدّرس الضّروريّ في المثابرة والصّبر ، والإقدام والإخلاص ، يلقّنه أولئك الأبطال الأسطوريّين ، أبطال الملحمة الخارقة . فهل كان لدرسه أن يجد طريقه إلى قلوبهم وضمائرهم لو لم يكن نزوله تبعا لأمثلة الحياة نفسها ، والواقع المحيط بهم ؟ ولو أنّ القرآن كان قد نزل جملة واحدة لتحوّل سريعا إلى كلمة مقدّسة خامدة ، وإلى فكرة ميتة ، وإلى مجرّد وثيقة دينيّة لا مصدرا يبعث الحياة في حضارة وليدة . فالحركة التّاريخيّة والاجتماعيّة والرّوحيّة الّتي نهض بأعبائها الإسلام لا سرّ لها إلّا في هذا التّنجيم . والقرآن يبرز هذه الخاصّة الخفيّة وهو يخاطب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
« 1 » . فنزول القرآن على نجوم ، وقد كان في اعتبار الجاهليّين نقصا شاذّا ، يتجلّى لنا بمراجعتنا الزّمن والأحداث شرطا أساسيّا ضروريّا لانتصار الدّعوة المحمّديّة . ولن يشقّ علينا أن نجد في هذا النّهج التّربويّ - الّذي أثار سخريّة القوم ، وأزاغ النّقد السّطحيّ في عصرنا عن الجادّة - طابع العلم العلويّ الّذي أملى « كلمة اللّه » بطريقة التّنجيم .
هامش
( 1 ) - الفرقان / 32 .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 380 | السيد علي الموسوي الدارابي