زيادة أو نقصان طبق ما دوّنه عنهما ؛ لأنّهما لا يستطيعان تكرار ما قالاه في المرّة الأولى .
وقد قرأ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله آيات كثيرة ومتّسقة بحسب ما يقتضيه المقام ، كما في واقعتي بدر وأحد ، فدوّن كتّاب الوحي ما تلاه . وكان يتلو عليهم أحيانا سورا طوالا كسورتي الأنعام والمائدة ، فيدوّنها الكتّاب ، ثمّ يقرأها مرّة أخرى على ظهر قلب ، كما كان يقرأ السّور الطّوال كالبقرة والأنعام في صلاة الآيات .
ولا يمكن القول أبدا بأنّ هذه السّورة قد أعدّت وحرّرت وحفظت قبل قراءتها بمدّة ؛ لأنّها تناسب المقام غالبا ، وتطابق شأن نزولها . ولم يؤثر عن أحد الصّحابة أو عن كافر أو منافق أنّ النّبيّ عيّن وقتا لحفظ القرآن واختلاقه ، أو كان يستعين بالكتبة لحفظه . بل كان جبريل ينزّل عليه سورة كالأنعام ، فتثبت في فؤاده كماء يثبت النّقش على الحجر ، علاوة على سماع جميع ألفاظها . وحينما يريد تلاوتها يستذكرها من فؤاده كما لو كانت مرتسمة أمامه . وهذا الأمر لا يتأتّى لغيره ، فكان صلّى اللّه عليه وآله يحفظ جميع القرآن دون أن يرجع إلى نصّ مكتوب . ( 8 : 252 )
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
الفرقان / 32 .
عندما كانت الآيات تنزّل على الرّسول الأكرم فإنّها تبقى راسخة في خاطره ، ثمّ يتلوها بعد الوحي على أصحابه لفظا بلفظ ، وتعدّ هذه معجزة من معاجزه صلّى اللّه عليه وآله ، علاوة على معجزة ثبوتها في ذهنه دائما حتّى آخر عمره ، وكان مؤيّد بالوحي طيلة نزوله عليه ؛ لربط روحه بعالم الغيب .
وكان الكفّار يقولون تارة : لم لم ينزل عليه القرآن دفعة واحدة ؟ وقالوا تارة أخرى حينما تأخّر عنه الوحي : لقد تركه ربّه وقلاه ، لقد انقطع عنه الوحي . فنزل عليه الوحي بقوله تعالى :
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى
« 1 » . ولو أنزل عليه القرآن دفعة واحدة لقالوا : لم لم ينزل عليه القرآن نجوما ؟ وما دام نزول الوحي مستمرّا ، وما دام القرآن كتاب اللّه فلا شكّ أنّهم يعترضون عليه أيضا . ( 8 : 270 )
هامش
( 1 ) - الضّحى / 3 .