معاجز القرآن ؛ لأنّ النّبيّ ما كان يعدّ القرآن في خلوته وفراغه ، ولم يحضره ، وما كان تنزّل السّور والآيات تناسبا مع الأوقات والأحوال كغزوة بدر أو أحد أو غيرهما من الأمور الّتي تحدث ، إذ كانت الآيات توحى إليه طبق تلك الأوقات ، وإنّ كلّ كاتب ومؤلّف وشاعر لا يمكنه حفظ ما كتبه من الكلام إلّا بكتابته وتكراره . فكان النّبيّ لم يكتب ولم ينقل أحد من الصّحابة أو ممّن رآه بأنّه كان يحفظ القرآن طبق ما كتبه الآخرون ، بل كان يقرأ السّور الطّوال بعد نزولها كسورة الأنعام والمائدة ، وكان الكتبة يكتبونها ، ثمّ يقرأ مرّة أخرى في الصّلاة كما قرأها أوّل مرّة .
أجل إنّ حال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم والقرآن وحفظه تعدّ من أغرب المعجزات ، كما قال اللّه تعالى :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
« 1 » ( 1 : 167 )
ونصّه أيضا في « هامش تفسير أبي الفتوح الرّازيّ »
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
البقرة / 185 .
أنّ القرآن كلام اللّه ، وهو يدلّ على معان خاصّة ، وأنّ من نزل عليه القرآن من بيت العزّة إلى سماء الدّنيا هو مخلوق عاقل يدرك ألفاظه ومعانيه ، وإنّه لملك في سماء الدّنيا ، وهذه السّماء قريبة من العالم الماديّ المحسوس ؛ لأنّ السّماوات كثيرة ، وأنّ أقربها إلى عالمنا هذا هي سماء الدّنيا ، وفيها ألقي القرآن إلى ذلك الملك دفعة واحدة ، ومنها أخذ يتنزّل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله نجما نجما ، أي بصورة تدريجيّة حسب الحاجة .
ولكن ما هو السّرّ في نزوله أوّل الأمر في سماء الدّنيا ؟ ولم لم ينزل من اللّوح المحفوظ على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله مباشرة ؟ هذا ما لا نستطيع الخوض فيه ، سوى الاحتمال أنّ قطع العالم الكائن بين العالم المادّيّ وعالم الملأ الأعلى لا يتأتّى إلّا لكلّ مخلوق من سكّان ذلك العالم . وهذا لا يعني بالضّرورة أن يكون ملك سماء الدّنيا أفضل من خاتم
هامش
( 1 ) - الأعلى / 6 .