تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
فصار من سموّ الأخلاق وصفاء الرّوح وعظم القلب ورجاحة العقل إلى ما يرتفع به عن كلّ ما يشين ، ثمّ على معنى عصمته من أيّ خطأ في تبليغ ما أوحي إليه والتزامه له بكلّ دقّة وأمانة وصدق واستغراق . ومهما يكن من أمر ، ومع أنّ كثيرا من العلماء على رأي أنّ القرآن نزل بألفاظ عربيّة ، وأنّ ما بلّغه النّبيّ من ألفاظه هو ما ألقي إليه من الوحي ، فالّذي يتبادر لنا أنّ لتلك الأقوال أثرا في الرّوايات الكثيرة عن خلافيّات القراءة ، وخاصّة الخلافيّات اللّفظيّة والنّظميّة من بدل كلمة بكلمة ومن تقديم وتأخير ، ممّا أوردنا أمثلة عديدة عنه في مناسبة سابقة ، أو أنّ الّذين تداولوا أو دوّنوا هذه الخلافيّات دون تمحيص ونقد قد تأثّروا بهذه الأقوال ، أو أنّ الّذين اخترعوا ودسّوا هذه الخلافيّات أو بعضها بقصد التّشكيك قد استغلّوا وروّجوا هذا الأقوال ، أو أنّ كلّ هذا قد وقع معا ، كما أنّه ممّا يتبادر لنا أن تكون هذه الأقوال قد أثّرت أو تأثّرت بأحاديث الأحرف السّبعة وتأويلاتها العجيبة الّتي ذكرنا بعضها سابقا ، وخاصّة ما ورد في بعض وجوهها من أنّها بقصد تقرير أنّ القرآن قد نزل بمعان متّسق مفهومها ، مختلف مسموعها ، حيث يجوز التّغاير إذا لم تبدّل كلمة « عذاب » بكلمة « رحمة » . ولعلّ ما عزي إلى أبي حنيفة من تجويزه الصّلاة بقراءة القرآن بالتّرجمة الفارسيّة ، وتقريره أنّ المهم في القرآن هو المعنى متّصل بهذه الأقوال . وقد ذكر الزّمخشريّ : أنّ أبا حنيفة استند إلى ما روي عن ابن مسعود من إجازته لقارئ بقراءة « طعام الفاجر » بدلا من « طعام الأثيم « 1 » » ، على شرط أن تؤدّي التّرجمة المعاني على كمالها . وعلّق الزّمخشريّ على هذا بقوله : إنّ هذا الشّرط بمثابة المنع ، لأنّ في كلام العرب - وخصوصا القرآن الّذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه - من لطائف المعاني والأعراض ما لا يستقلّ بأدائه لسان من فارسيّة وغيرها ، ولم يكن أبو حنيفة يحسن الفارسيّة ، فلم يكن ذلك التّقرير منه عن تحقيق وتبصّر ، ثمّ قال : إنّ صاحبي أبي حنيفة أنكرا جواز الصّلاة بالقراءة الفارسيّة ، وأنّ عليّ بن الجعد روى عن أبي يوسف : أنّ أبا حنيفة هو على رأي صاحبيه في الإنكار .
هامش
( 1 ) - الدّخان / 44 .