والتّخمين والاجتهاد . وفي القرآن مشاهد كثيرة تدلّ على أنّ النّبيّ كان يجتهد في أمر ، فينزل القرآن مؤيّدا له ومثبتا فيه ومنددا بالّذين وقفوا منه موقف المخالفة أو التّردّد أو التّمرّد ، فلو كان ذلك وحيا من جنس الوحي القرآنيّ مع ذلك الفارق لكان يقتضي أن ينصّ عليه حين صدوره عن النّبيّ ، أو حين تثبيت النّبيّ فيه قرآنيّا بعد صدوره أنّه كان وحيا ربّانيّا ، وهذا لم يقع .
ولقد استهدف بعض الّذين قالوا ذلك تقرير العصمة النّبويّة . وننبّه على أنّ ما نقرّره لا يمسّ هذه العصمة ، عدا أنّه قائم على براهين حكمة قرآنيّة وواقعيّة . فالعصمة النّبويّة تتناول ما يبلّغه النّبيّ عن اللّه ، وآيتا النّجم مصوّبتان على هذا المعنى ، والمبلّغ عن اللّه بصراحة هو القرآن فقط . ثمّ تتناول امتناع النّبيّ عن اقتراف إثم أو جريمة أو فاحشة أو مخالفة للقرآن قولا وفعلا ، ولا تتناول فيما تعتقد الأقوال والأفعال والمواقف الاجتهاديّة والعادية الّتي لم تؤيّد بقرآن وليس فيها نيّة الإثم والضّرر والشّرّ والمخالفة ، والّتي قد يكون فيها الخطأ والصّواب وخلاف الأولى الّذي في علم اللّه والّذي لا ينكشف للنّبيّ إلّا بوحي . وفي القرآن مشاهد عديدة تدلّ على أنّ النّبيّ كان يجتهد في أمر ، فيصدر عنه قولا أو فعلا فينزل القرآن معاتبا حينا ، ومنبّها أو مذكّرا حينا بما هو الأولى ، كمشاهد أسرى بدر ، وتحريم النّبيّ على نفسه زوجاته ، واستغفاره لأقاربه من المشركين ، وإذنه للمعتذرين عن الانضمام لحملة تبوك ، وزواجه بمطلّقة متبنّيه ، وحادث الأعمى ، وخطرات نفسه في التّساهل مع المشركين ، ممّا احتوت الإشارات إليه سورة الأنفال والتّحريم والتّوبة والأحزاب وعبس والإسراء ، ممّا لا يمكن أن يحتمل القول معه أنّ ذلك كان إلهاما ربّانيّا في معنى الوحي البتّة . ونحن من المؤمنين بالعصمة النّبويّة ، ولكن لا على ذلك المعنى الّذي يجعل النّبيّ يمتنع عليه أن يصدر منه أيّ اجتهاد في خلاف الأولى المغيّب عنه علمه ، أو أي خطأ مرئيّ ، ممّا لا يمكن أن ينتفي عن الطّبيعة البشريّة النّبويّة المقرّرة في القرآن ، وممّا تنعدم به حكمة الثّناء العظيم الّذي أثناه اللّه في القرآن على أخلاقه ، وحكمة اختصاصه من دون النّاس بالرّسالة ، ولكن على المعنى الّذي يتحقّق في الكمال النّبويّ خلقا وروحا وعقلا والّذي لم يصل النّبيّ إلى درجة الاصطفاء الرّبانيّ إلّا بعد أن وصل إليه
نصوص في علوم القرآن — صفحة 370
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٣٧٠