تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
وعلّل أصحاب هذا القول إنّه كان يقصد التّخفيف عن الأمّة ، ولذلك جازت رواية الأحاديث النّبويّة بالمعنى . ويلاحظ أنّ هذه الأقوال تخمينيّة ، ولم يورد قائلوها أسنادا موثّقة لها ، في حين أنّ الموضوع متّصل بسرّ وحي اللّه وسرّ النّبوّة كذلك ، فهو أمر غيبيّ إيمانيّ لا يصحّ قول شيء فيه إلّا بنصّ صريح من قرآن أو حديث ثابت عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وما دام أنّه لم يرد شيء من ذلك ، وأنّ النّبيّ قد بلّغ القرآن الموحى به إليه بألفاظه العربيّة الّتي دوّنت وحفظت عنه بالتّواتر اليقينيّ ، فليس من محلّ للقول : إنّ القرآن أوحي إليه بالمعنى ، كما أنّه ليس من ورائه طائل ، وأنّ الحقّ في هذا هو ما يتّسق مع الواقع وحسب ، وهو أنّ ما بلّغه النّبيّ من ألفاظ القرآن هو ما نزل الوحي به على قلبه ، وأنّه لا يصحّ أن يعدل عن هذا إلى غيره بالظّن والتّخمين . على أنّ النّصوص القرآنيّة هي في جانب ما نقول أيضا أكثر منها في الجانب الآخر أو في جانب السّكوت . فآيات يوسف / 2 ، والزّخرف / 3 ، والزّمر / 28 ، وفصّلت / 3 و 44 ، الّتي تذكر تنزيل القرآن عربيّا وجعله عربيّا - وقد نقلناها في مناسبات سابقة - تحتوي قرائن بل دلائل قويّة على قصد تقرير كون الألفاظ العربيّة الّتي بلّغها النّبيّ هي ما نزل الوحي به على قلبه . ومن الغريب أنّ القائلين بنزول القرآن بالمعنى استندوا إلى آيتي الشّعراء : 193 - 194 اللّتين نقلناهما وغفلوا عن ما بعدها
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
195 ، كما هي العادة من أخذ آية دون آية ودون سياق ؛ للتّدليل بهما على رأي ما ، في حين أنّ بعدهما - أي الآية : 195 - تحتوي ما ينقص ذلك بصراحة ، ومن الغريب أكثر أن لا يحتجّ القائلون بنزول القرآن بألفاظه بهذا النّص القرآنيّ الصّريح القاطع . وممّا يجدر التّنبيه عليه في هذه المناسبة أنّ القول بأنّ الأحاديث النّبويّة ممّا كان ينزل به الوحي بالمعنى على إطلاقه لا يتّسق مع الواقع والنّصوص القرآنيّة . فقد احتوت آيات عديدة عتابا للنّبيّ على بعض الحوادث والوقائع والمواقف والأقوال الّتي صدرت منه ، بل وعلى بعض الأفكار والخطرات الّتي دارت في ذهنه في العهد المكّيّ والعهد