أنّه من وحي اللّه وتنزيله مثل ذلك الأصل ، وهو ما عنته آية آل عمران 7 :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ .
( 2 : 261 262 )
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
البقرة / 185
وقد قالوا ورووا في صدد جملة
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ :
إنّ القرآن أنزل جملة واحدة في شهر رمضان أو في أواخره إلى سماء الدّنيا ، ثمّ أخذ ينزل منجّما على النّبيّ ، وأنّ هذا ما عناه التّعبير . وهذا القول لا يبعث الطّمأنينة ، كما أنّه غير مؤيّد بسند وثيق ولا يفهم له آية حكمة .
وقد قيل في سياق سورة القدر وفي سياق الآيات الأولى من سورة الدّخان . وعلّقنا على ذلك بما فيه الكفاية في تفسير السّورتين . والمجمع عليه تقريبا المؤيّد بحديث رواه البخاريّ عن عائشة ، وأوردناه في سياق تفسير سورة العلق ، إنّ الآيات الخمس الأولى من هذه السّورة هي أوّل ما نزل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في ليلة القدر إحدى ليالي أواخر رمضان ، على ما شرحناه في تفسير سورة القدر . والّذي يتبادر لنا أنّ الآية الّتي نحن في صددها قد قصدت ذلك ؛ للتّنويه ببركة شهر رمضان وفضله ، لأنّه كان فيه أعظم الأحداث الإسلاميّة وأكثرها بركة وخيرا ، وهو إعلان النّبيّ نبوّته واتّصال الوحي الرّبانيّ به ، وتلقّيه عنه أولى آيات القرآن الّذي فيه الهدى والبيّنات ، والفرقان الّذي يفرق بين الحقّ والباطل .
والمتبادر أنّ فرض صيام هذا الشّهر المبارك على المسلمين متّصل من ناحية ما بذلك الحادث العظيم ؛ حيث اقتضت حكمة التّنزيل فرض صيامه عليهم ، ليكون لهم شهر عبادة خالصة للّه تعالى ، يؤدّونها في مشارق الأرض ومغاربها سنويّا إلى ما شاء اللّه لهذه الدّنيا أن يدوم فيها معنى الشّكر وواجبه على رحمة اللّه ونعمته ، وفيها معنى التّذكير المتجدّد بهذه الرّحمة والنّعمة .
ونستطرد إلى القول في صدد شهر رمضان فنقول : إنّنا ذكرنا في سياق تفسير سورة القدر أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم كان يعتكف اعتكافاته الرّوحية في غار حراء في شهر رمضان قبل نزول الوحي عليه ، وأنّ التّحنّث - أي التّعبد والاعتكاف في شهر رمضان - كان ممارسا من قبل