والحفظ اللّذين يقتضيان إنزال القرآن مفرّقا ، في حين كان الأنبياء الأوّلون يقرءون ويكتبون ، فنزلت عليهم جملة واحدة ومكتوبة .
وقد يكون ما قاله المفسّرون عن سبب تحدّي الكفّار صحيحا ، وأن يكون هؤلاء سمعوا من الكتابيّين أنّ التّوراة والإنجيل والزّبور نزلت على موسى وعيسى وداود : جملة واحدة . غير أنّنا لا نستطيع موافقتهم على أخذهم ذلك كقضيّة مسلّم بها ، وتعليلهم إيّاه بأميّة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم . فباستثناء الألواح الّتي ذكرت آية الأعراف : 145 ، إنّ اللّه أنزلها مكتوبة على موسى لم يرد في القرآن صراحة أنّ اللّه أنزل الكتب الأخرى مكتوبة ودفعة واحدة .
والأسفار المنسوبة إلى موسى والعائدة إلى عهده وحياته تذكر إنّ اللّه إنّما أمر موسى بإحضار لوحين . وتفيد الأسفار أنّ معظم ما احتوته من تعليمات وتشريعات نزل مفرّقا وفي فترات ومناسبات عديدة وفق سير الظّروف بالنّسبة لموسى عليه السّلام وبالنّسبة لبني إسرائيل . والزّبور الّذي هو على الأرجح سفر المزامير مقاطع متتالية فيها تسبيح وتقديس وابتهال بلسان داود عليه السّلام . ويتبادر منها أنّها لم توح إلى داود مرّة واحدة . وليس في اليد إنجيل منسوب إلى عيسى عليه السّلام ، ولم يرو أحد أنّه أطلع على مثل ذلك . والأناجيل المتداولة هي ترجمة لحياته ، تضمّنت كثيرا من أقواله وتعاليمه الّتي عليها سمة الوحي . غير أنّها كانت تمثّل وقائع ومجالس مختلفة ، فلا يمكن أن تكون نزلت دفعة واحدة . وكلّ هذا هو شأن القرآن بطبيعة الحال .
هذا ، ومع أنّ تعبير « القرآن » أصبح علما على جميع ما أوحى اللّه تعالى للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم من الفصول والمجموعات القرآنيّة المحكمة والمتشابهة ، فإنّ هذه الآية وأمثالها ممّا تكرّر في القرآن ، ومن ذلك الآية السّابقة : 31 ، تؤيّد ما قلناه في سياق تفسير سورة المزّمّل من أنّ أصل مفهوم القرآن هو السّور والفصول المحكمة الّتي احتوت مبادئ الدّعوة وتدعيماتها الرّئيسيّة ، كما تؤيّد أنّ هذا هو الّذي فهمه العرب ، وأنّ ما جاء في سياق التّدعيم والتّأييد من قصص وأمثال وحجج وجدل وردود وحملات وحكاية أقوال الكفّار وتحدّياتهم ومشاهد الآخرة ممّا يصحّ أن يسمّى من المتشابهات ، لم يكن في الأصل ممّا عناه التّعبير وفهمه العرب ، وأنّ شمول التّعبير لكلّ ما احتواه المصحف من ذلك أيضا إنّما كان بسبب
نصوص في علوم القرآن — صفحة 361
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٣٦١