سورة القدر قد احتوت تنويها بعظم حادث بدء نزول القرآن وجلالة قدره ، وبخطورة اللّيلة الّتي شرّف اللّه قدرها ، بحدوث هذا الحادث العظيم فيها . أمّا إنزال القرآن جميعه دفعة واحدة إلى سماء الدّنيا فليس عليه دليل من القرآن أو من الحديث الصّحيح . ولا يبدو له حكمة ، كما لا يبدو أنّه منسجم مع طبيعة الأشياء ؛ حيث احتوت معظم فصول القرآن صور السّيرة النّبويّة المتنوّعة في مكّة أوّلا ثمّ في المدينة وأحداثها أو نزلت في مناسباتها . ( 1 : 241 )
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
الفرقان / 32
احتوت الآيات حكاية قول آخر من أقوال الكفّار ؛ حيث قالوا على سبيل التّحدّي :
هلّا أنزل القرآن على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم دفعة واحدة ، وقد ردّت عليهم ردّا قويّا فيه تثبيت وتوضيح وإنذار . فاللّه تعالى إنّما أنزل القرآن مرتّلا قسما بعد قسم ، لتثبيت قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ودعوته ، وجعل النّاس يحسنون استيعابه ، وأنّ الكفّار لا يأتون بمثل أو حجّة يظنّون فيها تعجيزا أو إشكالا أو إحراجا إلّا أنزل اللّه في صدده ما فيه الحقّ والتّفسير الأفضل والحجّة الدّامغة المفحمة ، وإنّ الّذين يظلّون على كفرهم ومكابرتهم بعد ذلك سيحشرون إلى جهنّم على وجوههم ، وسيعلمون حينئذ أنّهم الأضلّ سبيلا والأسوأ مصيرا . والزّيادة الّتي ذكرناها في صدد تنزيل القرآن مقسّما مستمدّة من آية الإسراء : 106
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
والآيات استمرار في السّياق الّذي احتوى منذ أوّل السّورة فصولا مماثلة من حيث حكاية مواقف الكفّار وأقوالهم والرّدّ عليهم وإنذارهم .
تعليق على تحدّي الكفّار بإنزال القرآن جملة واحدة وقد قال المفسّرون في سياق الآيات : إنّ الكفّار كانوا يتحدّون النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بإنزال القرآن جملة واحدة ، كما أنزلت الكتب السّماويّة التّوراة والإنجيل والزّبور جملة واحدة . وعلّلوا نزول القرآن على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم مفرّقا بأنّه كان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب ، فكان لا بدّ له من التّلقين