تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
الرّبوبيّة ، ونقرأ دليلا ساطعا على مصدر القرآن ، وأنّه كلام الواحد الدّيّان ،
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 1 » . وإلّا فحدّثني - بربّك - كيف تستطيع أنت ؟ أم كيف يستطيع الخلق جميعا أن يأتوا بكتاب محكم الاتّصال والتّرابط ، متعيّن النّسج والسّرد ، متآلف البدايات والنّهايات ، مع خضوعه في التّأليف لعوامل خارجة عن مقدور البشر ، وهي وقائع الزّمن وإحداثه الّتي يجيء كلّ جزء من أجزاء هذا الكتاب تبعا لها ، ومتحدّثا عنها ، سببا بعد سبب ، وداعية إثر داعية ، مع اختلاف ما بين هذه الدّواعي ، وتغاير ما بين تلك الأسباب ، ومع تراخي زمان هذا التّأليف ، وتطاول آماد هذه النّجوم ، إلى أكثر من عشرين عاما . لا ريب أنّ هذا الانفصال الزّمانيّ ، وذاك الاختلاف الملحوظ بين هاتيك الدّواعي ، يستلزمان في مجرى العادة التّفكّك والانحلال ، ولا يدعان مجالا للارتباط والاتّصال بين نجوم هذا الكلام . أمّا القرآن الكريم فقد خرق العادة في هذه النّاحية أيضا ، نزل مفرّقا منجّما ، ولكنّه تمّ مترابطا محكما ، وتفرّقت نجومه تفرّق الأسباب ، ولكن اجتمع نظمه اجتماع شمل الأحباب . ولم يتكامل نزوله إلّا بعد عشرين عاما ، ولكن تكامل انسجامه بداية وختاما ! ! . أليس ذلك برهانا ساطعا على أنّه كلام خالق القوى والقدر ، ومالك الأسباب والمسبّبات ، ومدبّر الخلق والكائنات ، وقيّوم الأرض والسّماوات ، العليم بما كان وما سيكون ، الخبير بالزّمان وما يحدث فيه من شؤون ؟ لاحظ فوق ما أسلفنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا نزلت عليه آية أو آيات ، قال : « ضعوها في مكان كذا من سورة كذا » . وهو بشر لا يدري طبعا ما ستجيء به الأيّام ، ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزّمان ، ولا يدرك ما سيحدث من الدّواعي والأحداث فضلا عمّا سينزل من اللّه فيها . وهكذا يمضي العمر الطّويل والرّسول على هذا العهد ، يأتيه الوحي بالقرآن نجما بعد نجم ، . وإذا القرآن كلّه بعد هذا العمر الطّويل يكمل ويتمّ ، وينتظم ويتآخى ويأتلف ويلتئم ، ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل ولا تفاوت ، بل يعجز الخلق طرّا بما فيه من
هامش
( 1 ) - النّساء / 82 .