تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
من أيّام اللّه ، وتلفت نظرهم إلى مقدار تدارك اللّه لهم في شدّتهم ، وإلى وجوب أن يثوبوا إلى رشدهم ، ويتوبوا إلى ربّهم . رابعها : كشف حال أعداء اللّه المنافقين ، وهتك أستارهم وسرائرهم للنّبيّ والمسلمين ، كيما يأخذوا منهم حذرهم فيأمنوا شرّهم ، وحتّى يتوب من شاء منهم . اقرأ - إن شئت - قوله تعالى في سورة البقرة / 80 :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
إلى قوله
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
، وهنّ ثلاث عشرة آية فضحت المنافقين ، كما فضحتهم سورة التّوبة في كثير من الآيات ، وكما كشف القرآن أستارهم في كثير من المناسبات . ويمكن أن تندرج هذه الحكمة الثّالثة بمضامينها الأربعة في قول اللّه تعالى في تلك الآية :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
« 1 » .

الحكمة الرّابعة :

الإرشاد إلى مصدر القرآن ، وأنّه كلام اللّه وحده ، وأنّه لا يمكن أن يكون كلامه صلّى اللّه عليه وسلم ولا كلام مخلوق سواه . وبيان ذلك أنّ القرآن الكريم تقرأه من أوّله إلى آخره ، فإذا هو محكم السّرد ، دقيق السّبك ، متين الأسلوب ، قويّ الاتّصال ، آخذ بعضه برقاب بعض في سورة وآياته وجمله ، يجري دم الإعجاز فيه كلّه من ألفه إلى يائه كأنّه سبيكة واحدة ، ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكّك ولا تخاذل كأنّه حلقة مفرغة ! أو كأنّه سمط وحيد وعقد فريد يأخذ بالأبصار ، نظّمت حروفه وكلماته ، ونسّقت جمله وآياته ، وجاء آخره مساوقا لأوّله ، وبدا أوّله مواتيا لآخره ! ! وهنا نتساءل : كيف اتّسق للقرآن هذا التّألّف المعجز ؟ وكيف استقام له هذا التّناسق المدهش ؟ على حين أنّه يتنزّل جملة واحدة ، بل تنزّل آحادا مفرّقة تفرّق الوقائع والحوادث في أكثر من عشرين عاما ! ! . الجواب : أنّنا نلمح هنا سرّا جديدا من أسرار الإعجاز ، ويشهد سمة فذّة من سمات
هامش
( 1 ) - الفرقان / 32 .
نصوص في علوم القرآن — صفحة 356 | السيد علي الموسوي الدارابي