ويمكن أن تندرج هذه الحكمة بوجوهها الخمسة تحت قول اللّه في بيان الحكمة من تنجيم القرآن
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
« 1 » .
الحكمة الثّانية :
التّدرّج في تربية هذه الأمّة النّاشئة علما وعملا ، وينضوي تحت هذا الإجمال خمسة أيضا ؛
أوّلها : تيسير حفظ القرآن على الأمّة العربيّة ، وهي كما علمت كانت أمّة امّيّة .
وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لدى الكاتبين منهم على ندرتهم ، وكانت مشتغلة بمصالحها المعاشية ، وبالدّفاع عن دينها الجديد بالحديد والدّم ، فلو نزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه ، فاقتضت الحكمة العليا أن ينزله اللّه إليهم مفرّقا ليسهل عليهم حفظه ويتهيّأ لهم استظهاره .
ثانيها : تسهيل فهمه عليهم كذلك ، مثل ما سبق في توجيه التّيسير في حفظه .
ثالثها : التّمهيد لكمال تخلّيهم عن عقائدهم الباطلة ، وعباداتهم الفاسدة ، وعاداتهم المرذولة . وذلك بأن يراضوا على هذا التّخلّي شيئا فشيئا ، بسبب نزول القرآن عليهم كذلك شيئا فشيئا ، فكلّما نجح الإسلام معهم في هدم الباطل ، انتقل بهم إلى هدم آخر ، وهكذا يبدأ بالأهمّ ثمّ بالمهمّ ، حتّى انتهى بهم آخر الأمر عن تلك الأرجاس كلّها ، فطهّرهم منها وهم لا يشعرون بعنت ولا حرج ، وفطمهم عنها دون أن يرتكسوا في سابق فتنة أو عادة .
وكانت هذه سياسة رشيدة ، لا بدّ منها في تربية هذه الأمّة المجيدة ، لا سيّما أنّها كانت أبيّة معاندة ، تتحمّس لموروثاتها وتستميت في الدّفاع عمّا تعتقده من شرفها ، وتتهوّر في سفك الدّماء وشنّ الغارات لأتفه الأسباب .
رابعها : التّمهيد لكمال تحلّيهم بالعقائد الحقّة ، والعبادات الصّحيحة ، والأخلاق الفاضلة ، بمثل تلك السّياسة الرّشيدة السّابقة . ولهذا بدأ الإسلام بفطامهم عن الشّرك والإباحة ، وإحياء قلوبهم بعقائد التّوحيد والجزاء ، من جرّاء ما فتح عيونهم عليه من أدلّة
هامش
( 1 ) - الفرقان / 32 .