مباشرة باللّه ، يطلعهم أوّلا بأوّل على ما في نفوسهم ، ويشعرهم أوّلا بأوّل بأنّ عينه عليهم ، ويحسبون هم حساب هذه الرّقابة ، وحساب هذه الرّعاية ، في كلّ حركة وكلّ هاجسة تخطر في ضمائرهم ، ويلجئون إليه أوّل ما يلجئون ، واثقين أنّه قريب مجيب .
ومضى ذلك الجيل وبقي بعده القرآن كتابا مفتوحا موصولا بالقلب البشريّ ، يصنع به حين يتفتّح له ما لا يصنعه السّحر ، ويحوّل مشاعره بصورة تحسب أحيانا في الأساطير ! .
وبقي هذا القرآن منهجا واضحا كاملا صالحا لإنشاء حياة إنسانيّة نموذجيّة في كلّ بيئة وفي كلّ زمان ، حياة إنسانيّة تعيش في بيئتها وزمانها في نطاق ذلك المنهج الإلهيّ المتميّز الطّابع ، بكلّ خصائصه دون تحريف ، وهذه سمة المنهج الإلهيّ وحده ، وهي سمة كلّ ما يخرج من يد القدرة الإلهيّة .
إنّ البشر يصنعون ما يغني مثلهم ، وما يصلح لفترة من الزّمان ، ولظرف خاصّ من الحياة ، فأمّا صنعة اللّه فتحمل طابع الدّوام والكمال ، والصّلاحيّة المستمرّة وتلبية الحاجات في كلّ ظرف وفي كلّ حين ، جامعة بين ثبات الحقيقة وتشكّل الصّورة في اتّساق عجيب .
أنزل اللّه هذا القرآن في هذه اللّيلة المباركة أوّلا للإنذار والتّحذير
إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ
فاللّه يعلم غفلة هذا الإنسان ونسيانه وحاجته إلى الإنذار والتّنبيه . وهذه اللّيلة المباركة بنزول هذا القرآن كانت فيصلا وفارقا بهذا التّنزيل . ( 5 : 3208 )
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . . .
القيامة / 16 - 19
كان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم يخاف أن ينسى شيئا ممّا يوحى إليه ، فكان حرصه على التّحرّز من النّسيان يدفعه إلى استذكار الوحي فقرة فقرة في أثناء تلقّيه ، وتحريك لسانه به ليستوثق من حفظه . فجاءه هذا التّعليم
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ . .
جاءه هذا التّعليم ليطمئنّه إلى أنّ أمر هذا الوحي ، وحفظ هذا القرآن وجمعه وبيان مقاصده . . كلّ أولئك موكول إلى صاحبه . ودوره هو ، هو التّلقّي والبلاغ ، فليطمئنّ بالا ،