تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
وأوّل ما يلحظ من ناحية التّناسق في السّياق هو تسمية الدّنيا بالعاجلة في هذا الموضع ، ففضلا عن إيحاء اللّفظ بقصر هذه الحياة وسرعة انقضائها - وهو الإيحاء المقصود - فإنّ هناك تناسقا بين ظلّ اللّفظ وظلّ الموقف السّابق المعترض في السّياق ، وقول اللّه تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
فهذا التّحريك وهذه العجلة هي أحد ظلال السّمة البشريّة في الحياة الدّنيا ، وهو تناسق في الحسّ لطيف دقيق ، يلحظه التّعبير القرآنيّ في الطّريق ! ( 6 : 3767 )

سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى

الأعلى / 6 - 7 بعدئذ يجيء بتلك البشرى العظيمة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأمّته من ورائه ، وتبدأ البشرى برفع عناء الحفظ لهذا القرآن والكدّ في إمساكه عن عاتق الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
فعليه القراءة يتلقّاها عن ربّه ، وربّه هو المتكفّل بعد ذلك بقلبه ، فلا ينسى ما يقرئه ربّه . وهي بشرى للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم تريحه وتطمئنّه على هذا القرآن العظيم الجميل الحبيب إلى قلبه الّذي كان يندفع بعاطفة الحبّ له وبشعور الحرص عليه ، وبإحساس التّبعة العظمى فيه ، إلى ترديده آية آية وجبريل يحمله إليه ، وتحريك لسانه به خيفة أن ينسى حرفا منه . حتّى جاءته هذه البشائر المطمئنّة بأنّ ربّه سيتكفّل بهذا الأمر عنه . وهي بشرى لأمّته من ورائه ، تطمئنّ بها إلى أصل هذه العقيدة ، فهي من اللّه ، واللّه كافلها وحافظها في قلب نبيّها . وهذا من رعايته سبحانه ، ومن كرامة هذا الدّين عنده ، وعظمة هذا الأمر في ميزانه . وفي هذا الموضع كما في كلّ موضع يرد فيه وعد جازم ، أو ناموس دائم ، يرد ما يفيد طلاقة المشيئة الإلهيّة من وراء ذلك ، وعدم تقيّدها بقيد ما ، ولو كان هذا القيد نابعا من وعدها وناموسها . فهي طليقة وراء الوعد والنّاموس . ويحرص القرآن على تقرير هذه الحقيقة في كلّ موضع - كما سبق أنّ مثّلنا لهذا في الظّلال - ومن ذلك ما جاء هنا .
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
، فهو الاحتراس الّذي يقرّر طلاقة المشيئة الإلهيّة ، بعد الوعد