إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
أي إنّا بدأنا ننزّل الكتاب الكريم في ليلة الشّرف ، ثمّ أنزلناه بعد ذلك منجّما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الحوادث الّتي كانت تدعو إلى نزول شيء منه ، تبيانا لما أشكل من الفتوى فيها ، أو عبرة بما يقصّ فيه من القصص وزواجر . ولا شكّ أنّ البشر كان في حاجة إلى دستور يبيّن لهم ما التبس عليهم من أمر دينهم ودنياهم ، ويوضّح لهم أمر النّشأة الأولى وأمر النّشأة الآخرة ، لأنّهم كانوا أعجز من أن يفهموا مصالحهم الحقّة حتّى يسنّوا لأنفسهم من النّظم ما يغنيهم عن الدّين والتّديّن وحوادث الكون الّتي نراها رأي العين كفيلة بأن تبيّن وجه الحقّ في ذلك ، فإنّ النّاس من بدء الخليقة يبدءون ويعيدون ، ويصحّحون ويراجعون في قوانينهم الوضعيّة ، ثمّ يستبين لهم بعد قليل من الزّمن أنّها لا تكفي لهدى المجتمع والأخذ بيده إلى موضع الرّشاد ، وتمنعه من الوقوع في مهاوي الزّلل ومن ثمّ قيل : لا غنى للبشر عن الدّين ولا عن وازع روحيّ يضع لهم مقاييس الأشياء وقيمها ، بعد أن أبان لهم العلم وصفها وخواصّها ، كما لا غنى له عن الاعتقاد في قوّة غيبيّة يلجأ إليها حين يظلم عليه ليل الشّكّ ، وتختلط عليه صروف الحياة وألوان مآسيها . ( 30 : 206 - 208 )