حظّها من اللّه .
وقيل : إنّ السرّ في نزوله جملة إلى سماء الدّنيا تكريم بني آدم ، وتعظيم شأنهم عند الملائكة ، وتعريفهم عناية اللّه بهم ورحمته لهم ، ولهذا المعنى أمر اللّه سبعين ألف ملك أن يشيّعوا سورة الأنعام ، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبرئيل بإملائه على السّفرة الكرام وإنساخهم إيّاه وتلاوتهم له . وفيه أيضا التّسوية بين نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله وبين موسى بن عمران وعيسى بن مريم عليهما السّلام في إنزاله كتابه جملة ، كما أنزل كتابيهما جملتين ، والتّفصيل لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله في إنزاله عليه منجّما ؛ لحكم كثيرة لا يعلمها إلّا اللّه .
أقول : يمكن أن يكون السّرّ تكميل عالم الملكوت ، ووجود الرّوحانيّين بإيجاد الكتاب الكريم فيهم . وتقريره أن يقال : المراد من إنزاله إلى سماء الدّنيا وإلى البيت المعمور هو إبداعه تعالى وإيجاده كتابه الكريم بوجوده الجوهريّ ، وصورته النّوريّة في ملكوت السّماء وعالم الأنوار وبعد وجوده في مكنون علمه المعبّر عنه بالعرش تارة وباللّوح المحفوظ أخرى ، ولمّا كان وجود خاتم النّبيّين صلّى اللّه عليه وآله رحمة للعالمين حصل ببركة استعداد الكمال لجميع العوالم الملكيّة والملكوتيّة ، وكما كان للكتاب العظيم تأثير عظيم بوجوده اللّفظيّ والكتبيّ في تكميل النّفوس المستعدّة في عالم الملك ، كان لوجوده الجوهريّ النّوريّ في عالم الملكوت تأثير في تكميل وجود الذّوات المستعدّة الملكوتيّة والملكيّة . وبحصول مرتبة من الكمال الوجوديّ لعالم الوجود صار مستحقّا لتزيينه بوجود خاتم النّبيّين وتكميله ببعثته ، فشملته هذه الرّحمة العظيمة وبعثه اللّه فيه . ثمّ بعد هذا الفيض حصل له استعداد قبول فيض آخر ، واستحقاق رحمة أتمّ من إنزال كتابه الكريم الّذي هو تجلّى صفاته التّامّة في العوالم . وكان إيجاد الكتاب الكريم في عالم الملكوت تكميل الرّحمة على جميع الموجودات الملكيّة والملكوتيّة ببركة وجود نبيّ الرّحمة وإرساله رحمة للعالمين .
لعلّ هذا الوجه الّذي ذكرناه أوجه في الواقع وأقرب إلى الأذهان من الوجه الّذي ذكره الفيض ، في « مقدّمات الصّافي » فإنّه بعد نقل الرّوايات الدّالّة على نزول القرآن جملة إلى البيت المعمور في ليلة القدر . . . [ ثمّ ذكر كما تقدّم عنه فقال : ]
نصوص في علوم القرآن — صفحة 324
مساهمون: السيد علي الموسوي الدارابي
ص٣٢٤