مع أنّه ليس فيما ذكرناه حمل الرّوايات على خلاف ظاهرها ؛ إذ من الواضح أنّه ليس المراد من القرآن الّذي نزل في البيت المعمور الأصوات المعتمدة على المخارج المعبّر عنها بالحروف والكلمات ، ولا النّقوش المنطبعة في الأوراق والصّفحات ، بل له صورة في عالم الملكوت مغايرة لصورته في هذا العالم ، واستعمال لفظ الإنزال في معنى الايجاد غير عزيز ، كما قال تعالى :
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
« 1 » ، أي أوجد لكم .
نعم ، في خبر المفضّل إشعار بتوجيهه رحمه اللّه حيث قال : قال الصّادق عليه السّلام : يا مفضّل ، أنّ القرآن نزل . . . [ وذكر كما تقدّم عن العلّامة المجلسيّ ، ثمّ قال : ]
ويمكن حمله على ما ذكرنا من الوجه ، أو إبقائه على ظاهره إن كان له ظهور فيما ذكره رحمه اللّه من التّوجيه والقول بنزوله في البيت المعمور وفي قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، ولا منافاة بينهما .
في بيان أسرار نزول القرآن العظيم نجوما على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله
وأمّا سرّ نزوله نجوما فكثير ، منه : أنّه صلّى اللّه عليه وآله بنزوله نجوما كان يتحدّى بكلّ نجم من آية أو سورة تنزّل عليه ، ومن الواضح أنّ عجز الفصحاء من الإتيان بمثل كلّ واحد من النّجوم أظهر في الإعجاز من عجزهم من إتيان مثل المجموع إذا كان نزوله جملة واحدة ، إذا كان تحدّى به .
ومنه : إنّ في إنزاله نجوما كان لطفا على المؤمنين ؛ حيث أنّه كان بنزول نجم يزداد فرحهم ويقينهم كما قال اللّه تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
« 2 » .
وأيضا : كان بنزول الآيات في مواقع الجهاد يزداد نشاطهم ورغبتهم وجدّهم فيه ، وإذا نزلت بهم بليّة ثمّ نزلت في شأنهم آية كان يهوّن عليهم تلك البليّة ، وإذا وقعوا في تعب وعناء كان نزول الآيات يزيل تعبهم وعنائهم بتكميل بصيرتهم ويقينهم .
هامش
( 1 ) - الزّمر / 6 .
( 2 ) - التّوبة / 124 .