تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
ومنه : أنّ مناسبة الواقع وخصوصيّات المقامات وانضمام القرائن الحالية كانت موجبة لزيادة البلاغة . ومنه : أنّ نزول بعض الآيات ردّا على الكفّار في مواقع معارضتهم ، أو إلقاء شبهاتهم ، أو تهديدا لهم عند صدور استهزاءاتهم والطّعون منهم على الإسلام والمسلمين ، أو زجرا لهم عند إرادتهم الفساد في الدّين ، كان أشدّ تأثيرا في تبكيتهم وتقريعهم وردعهم وزجرهم وهدايتهم وتبعهم إلى الإيمان والانقياد إلى الحقّ . ومنه : أنّ نزوله مفرّقا أدعى لقبوله وتحمّل إطاعة أحكامه ، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة ، فإنّه كان يثقل قبوله على كثير من النّاس ؛ لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهي . روي عن عائشة أنّها قالت : إنّما نزل أوّل ما أنزل منه سور من المفصّل ، فيها ذكر الجنّة والنّار ، حتّى إذا ثاب النّاس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أوّل شيء « لا تشربوا الخمر » لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل « لا تزنوا » لقالوا : لا ندع الزّنى أبدا . وعن الباقر عليه السّلام قال : « ليس أحد أرفق من اللّه تعالى من رفقه تبارك وتعالى أنّه ينقلهم من خصلة إلى خصلة ، ولو حمل عليهم جملة واحدة لهلكوا » . وفي رواية عنهم عليهم السّلام « إنّ اللّه تعالى إذا أراد أن يفرض فريضة أنزلها شيئا بعد شيء ، حتّى يوطّن النّاس أنفسهم عليها ، ويسكنوا إلى أمر اللّه ونهيه ، وكان ذلك من التّدبير فيهم أصوب وأقرب لهم إلى الأخذ بها ، وأقل لنفارهم منها » . أقول : ولعلّه إلى جميع الوجوه المذكورة أشار سبحانه وتعالى بقوله :
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 1 » . روي عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه قال : أخذ موسى الألواح بعد ما سكن عنه الغضب ؛ فأمرهم بالّذي أمر اللّه أن يبلغهم من الوظائف فثقلت عليهم ، فأبوا أن يقرّوا بها ، حتّى نتق اللّه عليهم الجبل كأنّه ظلّة ، ودنا منهم حتّى خافوا أن يقع عليهم فأقرّوا بها . أقول : لعلّه من الإصار التي كانت على بني إسرائيل أنّه نزلت التّوراة على موسى دفعة ، وحمّل عليهم جميع التّكاليف بدوّا ، فصار ثقيلا عليهم ، فأبوا عن قبولها . ( 1 : 6 - 8 )
هامش
( 1 ) - الإسراء / 106 .