إلى درايتها ، فإنّ ذلك معرب عن الوعد بإدرائها .
وعن سفيان بن عيينة : إنّ كلّ ما في القرآن من قوله تعالى :
ما أَدْراكَ
أعلم اللّه تعالى به نبيّه صلّى اللّه عليه وسلم وما فيه من قوله سبحانه :
وَما يُدْرِيكَ
« 1 » لم يعلّمه عزّ وجلّ به . وقد مرّ بيان كيفيّة إعراب الجملتين ، وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التّعظيم والتّفخيم ما لا يخفى .
والمراد بإنزاله فيها إنزاله كلّه جملة واحدة من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ، صحّ عن ابن عبّاس أنّه قال : أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى السّماء الدّنيا ، وكان بمواقع النّجوم ، وكان اللّه تعالى ينزّله على رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بعضه في أثر بعض . وفي رواية بدل وكان بمواقع الخ ، ثمّ نزل بعد ذلك في عشرين سنة ، وفي رواية أخرى عنه أيضا : أنزل القرآن جملة واحدة حتّى وضع في بيت العزّة في السّماء الدّنيا ، ونزل به جبريل عليه السّلام على محمّد صلّى اللّه عليه وسلم بجواب كلام العباد وأعمالهم . وفي أخرى : أنّه أنزل في رمضان ليلة القدر جملة واحدة ، ثمّ أنزل على مواقع النّجوم رسلا في الشّهور والأيّام . وكون النّزول بعد في عشرين سنة قول لهم ، وقال بعضهم وهو الأشهر : في ثلاث وعشرين ، وقال آخر في خمس وعشرين . وهذا للخلاف في مدّة إقامته صلّى اللّه عليه وسلم بمكّة بعد البعث .
وقال الشّعبيّ : المراد ابتدأنا بإنزاله فيها . والمشهور أنّ أوّل ما نزل من الآيات
اقْرَأْ
، وأنّه كان نزولها بحراء نهارا .
نعم ، في « البحر » روى : أنّ نزول الملك في حراء كان في العشر الأواخر من رمضان ، فإن صحّ وكان المراد كان ليلا فذاك ، وإلّا فظاهر كلام الشّعبيّ غير مستقيم ، اللّهم إلّا أن يقال : إنّه أراد ابتداء إنزاله إلى السّماء الدّنيا فيها ، ولا يلزم أن يتّحد ذلك وابتداء إنزاله عليه صلّى اللّه عليه وسلم في الزّمان . ثمّ إنّ في
أَنْزَلْناهُ
على ما ذكر تجوّزا في الإسناد ؛ لأنّه أسند فيه ما للجزء إلى الكلّ ، أو مجازا الطّرف ، أو تضمينا .
وقيل : المراد إنزاله من اللّوح إلى السّماء الدّنيا مفرّقا في ليالي قدر ، على أنّ المراد بليلة الجنس ، فقد قيل : إنّ القرآن أنزل إلى السّماء الدّنيا في عشرين ليلة قدر أو ثلاث
هامش
( 1 ) - الأحزاب / 33 ، الشّورى / 42 ، عبس / 80 .