لمكان
جُمْلَةً واحِدَةً
، فإنّه لو قصد ذلك لتدافعا ؛ إذ يكون المعنى لولا فرّق القرآن جملة واحدة ، والتّفريق ينافي الجمليّة . وقيل : عبّر بذلك للدّلالة على كثرة المنزل في نفسه ، ونصب
جُمْلَةً
على الحال ، و
واحِدَةً
على أنّه صفة مؤكّدة له ، أي هلّا أنزل القرآن عليه صلّى اللّه عليه وسلم دفعة غير مفرّق كما أنزلت التّوراة والإنجيل والزّبور ، على ما تدلّ عليه الأحاديث والآثار ، حتّى كاد يكون إجماعا ، كما قال السّيوطيّ وردّ على من أنكر ذلك من فضلاء عصره . فقول ابن الكمال : إنّ التّوراة أنزلت منجّمة في ثماني عشرة سنة ، ويدلّ عليه نصوص التّوراة ، ولا قاطع بخلافه من الكتاب والسّنّة ناشئ من نقصان الاطّلاع .
وهذا الاعتراض ممّا لا طائل تحته ؛ لأنّ الإعجاز ممّا لا يختلف بنزوله جملة أو مفرّقا ، مع أنّ للتّفريق فوائد ، منها ما ذكره اللّه تعالى بعد . وقيل : إنّ شاهد صحّة القرآن إعجازه وذلك ببلاغته ، وهي بمطابقته لمقتضى الحال في كلّ جملة منه ، ولا يتيسّر ذلك في نزوله دفعة واحدة ، فلا يقاس بسائر الكتب ، فإنّ شاهد صحّتها ليس الإعجاز .
وفيه أنّ قوله : ولا يتيسّر الخ ممنوع ، فإنّه يجوز أن ينزّل دفعة واحدة مع رعاية المطابقة المذكورة في كلّ جملة ؛ لما يتجدّد من الحوادث الموافقة لها الدّالّة على أحكامها .
وقد صحّ أنّه نزل كذلك إلى السّماء الدّنيا ، فلو لم يكن هذا لزم كونه غير معجز فيها ، ولا قائل به ، بل قد يقال : إنّ هذا أقوى في إعجازه ، والبليغ يفهم من سياق الكلام ما يقتضيه المقام ، فافهم .
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ :
استئناف وارد من جهته تعالى ؛ لردّ مقالتهم الباطلة ، وبيان بعض الحكم في تنزيله تدريجا ، ومحلّ الكاف نصب على أنّها صفة لمصدر مؤكّد لمضمر معلّل بما بعده ، وجوّز نصبها على الحالية ، و
كَذلِكَ :
إشارة إلى ما يفهم من كلامهم ، أي تنزيلا مثل ذلك التّنزيل الّذي قدحوا فيه واقترحوا خلافه ، نزّلناه لا تنزيلا مغايرا له ، أو نزّلناه مماثلا لذلك التّنزيل ؛ لنقوّي به فؤادك ، فإنّ في تنزيله مفرّقا تيسيرا لحفظ النّظم ، وفهم المعاني ، وضبط الكلام ، والوقوف على تفاصيل ما روعي فيه من الحكم والمصالح ، وتعدّد نزول جبريل عليه السّلام ، وتجدّد إعجاز الطّاعنين فيه في كلّ جملة مقدار أقصر سورة تنزّل منه . ولذلك فوائد غير ما ذكر أيضا ؛