الصّلاة والسّلام وتنفعل عند ذلك قواه البشريّة ، ولهذا يظهر على جسده الشّريف صلّى اللّه عليه وسلم ما يظهر ، ويقال لذلك ؛ برحاء الوحي ، يظنّ في بعض الأحايين أنّه أغمي عليه عليه الصّلاة السّلام . وقد يظنّ أنّه صلّى اللّه عليه وسلم أغفى .
وعلى هذا يخرج ما رواه مسلم ، عن أنس ، قال : بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ، ثمّ رفع رأسه متبسّما ، فقلنا : ما أضحكك يا رسول اللّه ؟ فقال : أنزل عليّ آنفا سورة فقرأ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
« 1 » . ولا يحتاج من قال : إنّ الأشبه أنّ القرآن كلّه نزل في اليقظة ، إلى تأويل هذا الخبر بأنّه عليه الصّلاة والسّلام خطر له في تلك الإغفاءة سورة الكوثر الّتي نزلت قبلها في اليقظة ، أو عرض عليه الكوثر الّذي أنزلت فيه السّورة فقرأها عليهم ، ثمّ إنّه على ما قيل : من أنّ بعض القرآن نزل عليه عليه الصّلاة والسّلام وهو نائم ، استدلالا بهذا الخبر ، يبقى ما قلناه من سماعه عليه الصّلاة والسّلام ما ينزل إليه صلّى اللّه عليه وسلم ووعيه إيّاه بقوى إلهيّة قدسيّة ، ونومه عليه الصّلاة والسّلام لا يمنع من ذلك ، كيف وقد صحّ عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنّه قال : « تنام عيني ولا ينام قلبي » .
وقد ذكر بعض المتصدّرين في محافل الحكمة من المتأخّرين في بيان كيفيّة نزول الكلام ، وهبوط الوحي من عند اللّه تعالى بواسطة الملك على قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : أنّ الرّوح الإنسانيّ إذا تجرّد عن البدن ، وخرج عن وثاقه من بيت قالبه ، وموطن طبعه مهاجرا إلى ربّه سبحانه ؛ لمشاهدة آياته الكبرى ، وتطهّر عن درن المعاصي واللّذّات والشّهوات والوساوس العادية والمتعلّقات ، لاح له نور المعرفة والإيمان باللّه تعالى وملكوته الأعلى ، وهذا النّور إذا تأكّد وتجوهر كان جوهرا قدسيّا يسمّى في لسان الحكمة النّظريّة بالعقل الفعّال ، وفي لسان الشّريعة النّبويّة بالرّوح القدسيّ . وبهذا النّور الشّديد العقليّ يتلألأ فيه أسرار ما في الأرض والسّماء ، ويتراءى منه حقائق الأشياء كما يتراءى بالنّور الحسّيّ البصريّ الأشباح المثاليّة في قوّة البصر إذا لم يمنع حجاب ، والحجاب هاهنا هو آثار الطّبيعة وشواغل هذه الأولى ، فإذا عريت النّفس عن دواعي الطّبيعة والاشتغال بما
هامش
( 1 ) - الكوثر / 1 - 4 .