وردّ على من ذهب إلى أنّ الدّماغ محلّ العقل . وقيل : للإشارة إلى صلاح قلبه صلّى اللّه عليه وسلم وتقدّسه ؛ حيث كان منزلا لكلامه تعالى ؛ ليعلم منه حال سائر أجزائه صلّى اللّه عليه وسلم فإنّ القلب رئيس جميع الأعضاء وملكها ، ومتى صلح الملك صلحت الرّعيّة ، وفي الحديث « ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه ، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ، ألا وهي القلب » . وقد يقال : يجوز أن يكون التّخصيص لأنّ اللّه تعالى جعل لقلب رسوله صلّى اللّه عليه وسلم سمعا مخصوصا يسمع به ما ينزل عليه من القرآن تمييزا لشأنه على سائر ما يسمعه ويعيه على حدّ ما قيل .
وذكره النّوويّ في شرح صحيح مسلم في قوله تعالى :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
« 1 » ، من أنّ اللّه عزّ وجلّ جعل لفؤاده صلّى اللّه عليه وسلم بصرا ، فرآه به سبحانه ليلة المعراج . وهذا كلّه على القول بأنّ جبرائيل عليه السّلام ينزل بالألفاظ القرآنيّة المحفوظة له بعد أن نزل القرآن جملة من اللّوح المحفوظ إلى بيت العزّة أو الّتي يحفظها من اللّوح عند الأمر بالإنزال ، أو الّتي يوحي بها إليه ، أو الّتي يسمعها منه سبحانه ، على ما قاله بعض أجلّة السّلف ، عنده فيلقيها إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم على ما هي عليه من غير تغيير أصلا . وكذا على القول بأنّ جبرائيل عليه السّلام ألقى عليه المعاني القرآنيّة ، وأنّه عبّر عنها بهذه الألفاظ العربيّة ، ثمّ نزل بها كذلك ، فألقاها إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم . وأمّا على القول بأنّه عليه السّلام إنّما نزل بالمعاني خاصّة إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وأنّه عليه الصّلاة والسّلام علم تلك المعاني ، وعبّر عنها بلغة العرب ، فقيل : إنّ القلب بمعنى العضو المخصوص لا غير ، وتخصيصه لأنّ المعاني إنّما تدرك بالقوّة المودعة فيه .
وقيل : يجوز أن يراد به الرّوح ، وروحه عليه الصّلاة والسّلام لغاية تقدّسها وكمالها في نفسها تدرك المعاني من غير توسّط آلة . ومن النّاس من ذهب إلى هذا القول ، وجعل الآية دليلا له ، وهو قول مرجوح . ومثله القول بأنّ جبرائيل عليه السّلام ألقى عليه المعاني فعبّر عنها بألفاظ ، فنزل بما عبّر هو به . والقول الرّاجح أنّ الألفاظ منه عزّ وجلّ كالمعاني لا مدخل لجبرائيل عليه السّلام فيها أصلا .
وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم يسمعها ويعيها بقوى إلهيّة قدسيّة ، لا كسماع البشر إيّاها منه عليه
هامش
( 1 ) - النّجم / 11 .