وقرأ أبيّ وعبد اللّه فرقناه عليك ،
لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ
، أي تؤدة وتأنّ ، فإنّه أيسر للحفظ وأعون على الفهم ، وروي ذلك عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه وقيل : أي تطاول في المدّة وتقضّيها شيئا فشيئا ، والظّاهر تعلّق
لِتَقْرَأَهُ
بفرقناه ، و
عَلَى النَّاسِ
بتقرأه ، و
عَلى مُكْثٍ
به أيضا ، إلّا أنّ فيه تعلّق حرفي جرّ بمعنى بمتعلّق واحد . وأجيب بأنّ تعلّق الثّاني بعد اعتبار تعلّق الأوّل به فيختلف المتعلّق . وفي البحر : لا يبالي بتعلّق هذين الحرفين بما ذكر لاختلاف معناهما ؛ لأنّ الأوّل في موضع المفعول به والثّاني في موضع الحال ، أي متمهّلا وترسّلا . ولما في ذلك من القيل والقال ، اختار بعضهم تعلّقه بفرقناه ، وجوّز الخفاجيّ تعلّقه بمحذوف ، أي تفريقا أو فرقا
عَلى مُكْثٍ
أو قراءة
عَلى مُكْثٍ
منك ، كمكث تنزيله .
وجعله أبو البقاء في موضع الحال من الضّمير المنصوب في
فَرَقْناهُ
، أي متمكّنا .
ومن العجيب قول الحوفيّ : أنّه بدل من
عَلَى النَّاسِ .
وقد تعقّبه أبو حيّان بأنّه لا يصحّ ؛ لأنّ
عَلى مُكْثٍ
من صفات القارئ أو من صفات المقروء ، وليس من صفات النّاس ليكون بدلا منهم ، والمكث مثلّث الميم ، وقرئ بالضّمّ والفتح ، ولم يقرأ بالكسر وهو لغة قليلة ، وزعم ابن عطيّة إجماع القرّاء على الضّمّ .
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
على حسب الحوادث والمصالح ، وذكر هذا بعد قوله تعالى :
فَرَقْناهُ
الخ مفيد ، وذلك لأنّ الأوّل دالّ على تدريج نزوله ، ليسهل حفظه وفهمه من غير نظر إلى مقتض لذلك ، وهذا أخصّ منه ، فإنّه دالّ على تدريجه بحسب الاقتضاء .
( 15 : 188 189 )
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
الفرقان / 32
حكاية لنوع آخر من أباطيلهم ، والمراد بهم المشركون ، كما صحّ عن ابن عبّاس ، وهم القائلون أوّلا . والتّعبير عنهم بعنوان الكفر لذمّهم به والإشعار بعلّة الحكم ، وقيل :
المراد بهم طائفة من اليهود .
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ
، أي أنزل عليه ، كخبّر بمعنى أخبر ، فلا قصد فيه إلى التّدريج