تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
الاستطراد ، فإنّه لمّا كان من شأنه عليه السّلام الاستعجال عند نزول كلّ وحي على ما سبق من الوجه ، ولم ينه عنه إلى أن أوحى إليه هذه السّورة من أوّلها إلى قوله :
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
« 1 » وعجل في ذلك كسائر المرّات نهي عنه بقوله :
لا تُحَرِّكْ
الخ ثمّ عاد الكلام إلى تكملة ما ابتدئ به من خطاب النّاس . ونظيره ما لو ألقى المدرّس على الطّالب مسألة ، وتشاغل الطّالب بشيء لا يليق بمجلس الدّرس ، فقال : ألق إليّ بالك وتفهّم ما أقول ، ثمّ كمّل المسألة . يقول الفقير ( أيّده اللّه القدير ) : لاح لي في سرّ المناسبة وجه لطيف أيضا ، وهو أنّ اللّه تعالى بيّن قبل قوله :
لا تُحَرِّكْ بِهِ
الخ جمع العظام ومتفرّقات العناصر الّتي هي أركان ظاهر الوجود ، ثمّ انتقل إلى جمع القرآن وأجزائه الّتي هي أساس باطن الوجود ، فقال بعد قوله :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ
« 2 » ،
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ
« 3 » ، فاجتمع الجمع بالجمع ، والحمد للّه تعالى . . . وفي التّأويلات النّجميّة : اعلم أنّ كلّ ما استعدّ لإطلاق الشّيئية عليه فله ملك وملكوت ؛ لقوله تعالى :
بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
« 4 » والقرآن أشرف الأشياء وأكملها ، فله أيضا ملك وملكوت . فأمّا ملكه فهو الأحكام والشّرائع الظّاهرة الّتي تتعلّق بمصالح الأمّة من العبادات الماليّة والبدنيّة والجنايات والوصايات وأمثالها . وأمّا ملكوته فهو الأسرار الإلهيّة والحقائق اللّاهوتيّة الّتي تتعلّق ببواطن خواصّ الأمّة وأخصّ الخواصّ ، بل بخلاصة أخصّ الخواصّ من المكاشفات والمشاهدات السّرّيّة والمعاينات الرّوحية ، ولكلّ واحد من الملك والملكوت مدركات يدرك بها لا غير ؛ لأنّ الوجدانيّات والذّوقيّات لا تسعها ألسنة العبارات ، لأنّها منقطع الإشارات . فقوله
لا تُحَرِّكْ
الخ يشير إلى عدم تعبيره بلسان الظّاهر عن أسرار الباطن والحقائق الآبية عن تصرّف العبارات فيها بالتّعبير عنها ، وأنّ مظهره الجامع جامع بين ملك القرآن وملكوته ، وهو عليه السّلام يتبع بظاهره ملكه
هامش
( 1 ) - القيامة / 15 . ( 2 ) - القيامة / 3 . ( 3 ) - القيامة / 17 . ( 4 ) - المؤمنون / 88 .