لا ارتباط بين الحقّ والموجودات إلّا من جهة الأسباب والوسائط ، فليس عندهم أن يقول الإنسان : أخبرني ربّي ، أي بلا واسطة ، وهم مخطئون في هذا الحكم ، فإنّه لمّا كان ارتباط كلّ ممكن بالحقّ من حيث الممكن من جهتين : جهة الوحدة وجهة الكثرة ، وجب أن تكون جهة الوحدة بلا واسطة وهو الوجه الخاصّ ، وجهة الكثرة بواسطة وهو الوجه العامّ .
ولمّا كان نبيّنا عليه السّلام أكمل الخلق في جهة الوحدة ؛ لكون أحكام كثرته وإمكانه مستهلكة بالكلّيّة في وحدة الحقّ وأحكام وجوبه ، كان يأخذ عن اللّه بلا واسطة ، أي من الوجه الخاصّ ، وكان ينطبع في قلبه ما يريد الحقّ أن يخبره به ، فإذا جاءه الكلام من جهة الوسائط ، أي من الوجه العامّ بصور الألفاظ والعبارات الّتي استدعتها أحوال المخاطبين كأن يبادر إليه بالنّطق به ؛ لعلمه بمعناه بسبب تلقّيه إيّاه من حيث اللّاواسطة ، لينفّس عن نفسه ما يجده من الكربة والشّدّة الّتي يلقاها مزاجه من التّنزّل الرّوحانيّ ، فإنّ الطّبيعة تنزعج من ذلك للمباينة الثّابتة بين المزاج وبين الرّوح الملكيّ . فعرف الحقّ نبيّنا عليه السّلام أنّ القرآن وإن أخذته عنّا من حيث معناه بلا واسطة فإنّ إنزالنا إيّاه مرّة أخرى من جهة الوسائط يتضمّن فوائد زائدة منّا مراعاة إفهام المخاطبين به ؛ لأنّ الخلق المخاطبين بالقرآن حكم ارتباطهم بالحقّ إنّما هو من جهة سلسلة التّرتيب والوسائط كما هو الظّاهر بالنّسبة إلى أكثرهم ، فلا يفهمون عن اللّه إلّا من تلك الجهة . ومنها معرفتك اكتساء تلك المعاني العبارة الكاملة ، وتستجلي في مظاهرها من الحروف والكلمات ، فتجمع بين كمالاته الباطنة والظّاهرة ، فيتجلّى بها روحانيّتك وجسمانيّتك ، ثمّ يتعدّى الأمر منك إلى امّتك ، فيأخذ كلّ منهم حصّته منه علما وعملا .
ففي قوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
الخ : تعليم وتأديب ، أمّا التّعليم فما أشير إليه من أنّ باب جهة الوحدة مسدود على أكثر النّاس ، فلا يفهمون عن اللّه إلّا من الجهة المناسبة لحالهم ، وهي جهة الوسائط والكثرة الإمكانيّة . وأمّا التّأديب فإنّه لمّا كان الآتي بالوحي من اللّه جبريل فمتى بودر بذكر ما أتى به كان كالتّعجيل له وإظهار الاستغناء عنه ، وهذا خلل في الأدب بلا شكّ ، سيّما مع المعلّم المرشد .
ومن هذا التّقرير عرف أنّ قوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ
الخ واقع في البين بطريق