الآية الإنزال وأراد به من اللّوح المحفوظ إلى سماء الدّنيا جملة في ليلة القدر في شهر رمضان ، والمراد هنا هو تنزيله إلى الأرض ، ففي القرآن جهة الإنزال والتّنزيل . ( 2 : 3 )
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
الفرقان / 31
فلو لا : تحضيضية بمعنى « هلّا » ، والتّنزيل هنا مجرّد عن معنى التّدريج بمعنى أنزل ، كخبّر بمعنى أخبر ؛ لئلّا يناقض قوله :
جُمْلَةً واحِدَةً
، أي دفعة واحدة كالكتب الثّلاثة ، أي التّوراة والإنجيل والزّبور ، حال من القرآن ؛ إذ هي في معنى مجتمعا ، وهذا اعتراض حيرة وبهت لا طائل تحته ؛ لأنّ الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو مفرّقا ، وقد تحدّوا بسورة واحدة فعجزوا عن ذلك حتّى أخلدوا إلى بذل المهج والأموال دون الإتيان بها ، مع أنّ للتّفريق فوائد ؛
منها : ما أشار إليه بقوله :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
، و « ذلك » إشارة إلى ما يفهم من كلامهم ، أي مثل ذلك التّنزيل المفرّق الّذي قدحوا فيه نزّلناه لا تنزيلا مغايرا له ؛ لنقوّي بذلك التّنزيل المفرّق
فُؤادَكَ
، أي قلبك ، فإنّ فيه تيسيرا لحفظ النّظم ، وفهم المعنى ، وضبط الأحكام والعمل بها .
ألا ترى أنّ التّوراة أنزلت دفعة فشقّ العمل على بني إسرائيل ، ولأنّه كلّما نزل عليه وحي جديد في كلّ أمر وحادثة ازداد هو قوّة قلب وبصيرة .
وبالجملة ، إنزال القرآن منجّما فضيلة خصّ بها نبيّنا عليه السّلام من بين سائر النّبيّين ، فإنّ المقصود من إنزاله أن يتخلّق قلبه المنير بخلق القرآن ويتقوّى بنوره ، ويتغذّى بحقائقه وعلومه .
وهذه الفوائد إنّما تكمل بإنزاله مفرّقا ، ألا يرى أنّ الماء لو نزّل من السّماء جملة واحدة ؛ لما كانت تربية الزّروع به مثلها ، إذا نزل مفرّقا إلى أن يستوي الزّرع . ( 6 : 208 )
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ
الشّعراء / 192
واعلم أنّ القرآن كلام اللّه وصفته القائمة به ، فكساه الألفاظ بالحروف العربيّة ، ونزله