ثمّ أخبر عن حقيقة الكتاب الّذي كلام الحقّ بقوله :
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
« 1 » ، إشارة إلى أنّ تعليم القرآن بأن يتجلّى نور الكلام « 2 » الّذي هو حقيقة القرآن على قلب من يشاء من عباده .
ومن علّمه الرّحمن القرآن « 3 » بهذا التّعليم يكون عليه من اللّه فضلا عظيما ، كما قال بعد امتنانه على عباده ببعثة الرّسول ، وتعليمه إيّاهم الكتاب والحكمة :
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ *
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
« 4 » .
كما قال لحبيبه بعد تعليمه :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
« 5 » .
فمن ذلك الفضل العظيم في حقّه أن نزّل على قلبه حقيقة القرآن قبل أن نزّل صورة الكتاب والكلام على سمعه ، وصورة المتكلّم وهو الملك على بصره ، وقال :
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ
« 6 » ، يعني لا تظنّنّ يا محمّد ! أنّ إنزال الكتب الأخرى على الأنبياء كان كتنزيل القرآن بالحقّ والحقيقة على قلبك ، فيكاشف عند تجلّي أنواره وحقائق أسراره الّتي بيني وبينك في مقام أو أدنى ؛ حيث لا يطّلع عليه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل .
وإنّما أنزلت الكتب على الأنبياء عليهم السّلام بالصّورة على ظواهرهم مكتوبة في صحائف وألواح ، يقرأها كلّ قارئ ، ويستوي في هداها الأنبياء والأمم ؛ لقوله :
هامش
( 1 ) - الشّورى / 52 .
( 2 ) - مرتبة الكلام مرتبة الصّنع ، والصّنع صفة الصّانع ، ومرتبة الكتاب مرتبة المصنوع ، والمصنوع لا يكون صفة للصّانع ، إنّ اللّه لا يوصف بخلقه .
( 3 ) - فيه قال تعالى :( الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ )فإنّ الإنسان الكامل الختميّ صلّى اللّه عليه وآله خلق ويخلق بالقرآن ، والقرآن هو البيان ؛ لأنّه بيان كلّ شيء . وفي الآية النّشر على ترتيب اللّفّ ، فيه سرّ عظيم ، فتلطّف لئلّا يفوت عنك سرّ سيرة كريمة ( وما ترى في خلق الرّحمن من تفاوت ) .
( 4 ) - الجمعة / 2 و 3 .
( 5 ) - النّساء / 113 .
( 6 ) - آل عمران / 3 و 4 .