تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
الواقعة / 80
هذه صفة رابعة للقرآن ، أي منزّل من عند ربّ العالمين إلى أهل هذا العالم ، وإنّما وصف بالمصدر لأنّه من حيث هذا الوجود الكونيّ نزل منجّما بحسب الدّواعي الكونيّة والمصالح الخلقيّة في الأوقات المعيّنة ، فكأنّه في نفسه تنزيل ؛ لتعالي الباريّ القيّوم عن وصف التّغيّر والتّجدّد وكثرة الدّواعي والإرادات .
وأمّا كيفيّة هذا التّنزيل فنقول في بيانها : إنّ الذّات الأحديّة بحقيقته الصّمدانيّة ممّا لا سبيل لأحد إلى إدراكه - سواء كان من الملائكة أو من الأناس - وغاية السّبيل إليه لأهل الكونين إدراك أفعاله وآثاره ، وكلامه وكتابه عندنا من جملة أفعاله وآثاره ، إلّا أنّ أحدهما - وهو الكلام - من عالم أمره ، بل هو الأمر كلّه ؛ لقوله تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 1 » ، وأمره منزّه عن التّجدّد والتّضاد ؛ لقوله :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ
« 2 » .
وثانيهما - وهو الكتاب - من عالم خلقه ، بل هو عالم خلقه ؛ لاشتماله على التّجدّد والتّضاد ، لقوله تعالى :
لا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
« 3 » .
ولكلّ منهما منازل ومراتب ، وكلّ واحدة من مراتب الكلام قضاء وكلّ واحدة من مراتب الكتاب قدر ، وأعلى مراتب القضاء « قضاء محض » ليس فوقه قضاء ، وهو الكلام الإلهيّ المبدع له بالحقيقة ، وأدنى مراتب القدر « قدر محض » لا قدر تحته ، وهو الكتاب الكونيّ الّذي فيه كتابة أعمال أهل الشّمال .
وكما أنّ كلام اللّه مشتمل على الآيات ، وهي آيات اللّه الكبرى الواقعة في المواقف العقليّة المثالية ،
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ
« 4 » ، وكذلك كتابه المبين مشتمل على آيات - وهي الآفاق والأنفس -
تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ
« 5 » . وكلّ كلام إذا نزل
هامش
( 1 ) - يس / 82 .
( 2 ) - القمر / 50 .
( 3 ) - الأنعام / 59 .
( 4 ) - البقرة / 252 .
( 5 ) - يونس / 1 .