الموعظة له في الألواح ، وبين نبيّ تشرّف أمّته بكتابة الإيمان لهم في قلوبهم .
وتاسعها : أنّ من خصائص إنزال القرآن بما هو كلام اللّه أنّه متى نزل على قلب أحد صار خاشعا متصدّعا من خشية اللّه ؛ لقوله سبحانه :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
« 1 » . ولمّا نزل على قلب الرّسول صار قلبه خاشعا خاضعا من خشية اللّه ، حتّى قال كما هو المرويّ عنه : « أنا أعلمكم باللّه وأخشاكم منه » « 2 » . وأمّا إنزال الكتب فليس من لوازمه الخضوع والخشوع والتّخلّق بأخلاق اللّه ، ولذا قيل : لو كانت التّوراة أنزلت على قلب موسى عليه السّلام لا في الألواح ، لعلّه ما ألقى الألواح في حال الغضب ، وما احتاج إلى صحبة خضر عليه السّلام ؛ لتعلّمه العلم ، كما حكى اللّه تعالى عنه بقوله :
هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
« 3 » . ( 6 : 123 - 125 )
ونصّه أيضا في « تفسير سورة الواقعة »
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
الواقعة / 79
إنّ القرآن كالإنسان المنقسم إلى سرّ وعلن ، ولكلّ منهما ظهر وبطن ، ولبطنه بطن آخر - إلى أن يعلمه اللّه - ولعلنه علانية أخرى إلى أن يدركه الحواسّ وأهلها . أمّا ظاهر علنه فهو المصحف المحسوس الملموس والرّقم المنقوش الممسوس . وأمّا باطن علنه فهو ما يدركه الحسّ الباطن ويستثبته القرّاء والحفّاظ في خزانة محفوظاتهم كالخيال ونحوه .
والحسّ الباطن لا يدرك المعنى صرفا ، بل خلطا مع عوارض جسمانيّة ، إلّا أنّه يستثبته بعد زوال المحسوس ، فإنّ التّخيّل والوهم أيضا كالحسّ لا يحضران في الباطن المعنى الصّرف كالإنسانيّة المطلقة ، بل نحو ما يدركه الحسّ من خارج مخلوطا بزوائد وغواش من كمّ وكيف ووضع وأين . فإذا حاول أحدهما أن يتمثّل له الصّورة المقيّدة بالعلائق المأخوذة
هامش
( 1 ) - الحشر / 21 .
( 2 ) - البخاريّ 8 : 31 ، المسند 2 : 45 و 181 وفيهما « لأنا أعلمهم باللّه عزّ وجلّ وأشدّهم له خشية » .
( 3 ) - الكهف / 66 و 67 .