عن أيدي الحواسّ ، وأنّ فارق المحسوس بخلاف الحسّ ، فإنّه لا يمكنه ذلك . فهاتان المرتبتان من القرآن أوّليّتان دنيويّتان ممّا يدركه كلّ إنسان .
وأمّا باطنه وسرّه فهما مرتبتان أخرويّتان لكلّ منهما درجات ؛ فالأولى : ممّا يدركه الرّوح الإنسانيّة الّتي يتمكّن من تصوّر المعنى بحدّه وحقيقته ، منفوضا عنه اللّواحق القريبة مأخوذا من المبادئ الفعّالة ، من حيث يشترك فيه الكثرة ، ويجتمع عنده الأعداد في الوحدة ، ويضمحلّ فيه التّخالف والتّضاد ، ويتصالح عليه الآحاد .
ومثل هذا الأمر لا يدركه الرّوح الإنسانيّة ما لم يتجرّد عن مقام الخلق ، ولم ينفض عنها الحواسّ ، ولم يرتق إلى مقام الأمر متّصلة بالملإ الأعلى ؛ إذ ليس من شأن المعقول من حيث هو معقول أن يحسّ ، كما ليس من شأن المحسوس من حيث هو محسوس أن يعقل .
ولن يستتمّ الإدراك العقليّ بآلة جسمانيّة ، فإنّ المتصوّر فيها مخصوص مقيّد بوضع ومكان وزمان ، والحقيقة الجامعة العقليّة لا يتقرّر في منقسم مشار إليه بالحسّ ، بل الرّوح الإنسانيّة يتلقّى المعقولات بجوهر عقليّ من حيّز عالم الأمر ، ليس بمتحيّز في جسم ولا متمكّن في حسّ ، ولا داخل في وهم . ثمّ لمّا كان الحسّ تصرّفه فيما هو من عالم الخلق ، والعقل تصرّفه فيما هو من عالم الأمر ، فما هو فوق الخلق والأمر فهو محتجب عن الحسّ والعقل جميعا . ولا شكّ أنّ كلام اللّه من حيث هو كلامه قبل نزوله إلى عالم الامر - وهو اللّوح المحفوظ - وقيل نزوله إلى عالم السّماء - وهو لوح المحو والإثبات وعالم الخلق - له مرتبة فوق مرتبة الخلق والأمر جميعا ، فلا يتلقّاه ولا يدركه أحد من الأنبياء إلّا في مقام الوحدة الإلهيّة عند تجرّده عن الكونين - الدّنيا والآخرة - وعروجه وخرقه العالمين - الخلق والامر - ، كما قال أفضل الأنبياء : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل » .
فإذا تقرّر هذا فثبت أنّ للقرآن منازل ومراتب ، كما للإنسان درجات ومعارج ، فلا بدّ لمسّ القرآن في كلّ مرتبة ودرجة من طهارة وتجرّد عن بعض العلائق .
فالضّمير في
لا يَمَسُّهُ
إن كان عائدا إلى المصحف الّذي بأيدي النّاس ، ويدركه جمهور أرباب الحواسّ فلا يجوز لغير المتطهّر من الأحداث والأنجاس - كالجنابة