وتشخّص يصير كتابا ، كما أنّ الأمر إذا نزل صار فعلا
كُنْ فَيَكُونُ
« 1 » . فالكتاب نائب الكلام ، وأصل الكلام إنّما يراد لتصوير ما يتضمّنه باطن المتكلّم في باطن المخاطب فيصير مثله ، فإذا عجز المخاطب عن مسّ باطن المتكلّم مسّ الخاتم للشّمعة ؛ ليجعله مثل نفسه في نقشه ورقشه اتّخذ بين الباطنين سفيرا من الظّاهرين ، إمّا رسولا هوائيّا متكلّما به ، أو رسالة سطحيّة ناطقة بما فيها . فإنّ الهواء بتموّجه الصّوتيّ على هيئاته الحرفيّة كتاب بالقياس إلى ما فوقه وهو نفس المتكلّم ، وهو بعينه كلام بالقياس إلى ما تحته ، وهو صحيفة الرّسالة أو بسيط الصّماخ بهيئاتها الكتابيّة .
فعلى هذا كلّ واحدة من الذّوات المفارقة والملائكة العقليّة الّتي هي علوم إبداعيّة وصور مجرّدة ، كلام اللّه باعتبار ، وقلمه باعتبار . وكلّ واحد من الجواهر العقليّة والملائكة المدبّرة كتاب اللّه باعتبار ، ولوحه باعتبار . وكذا الألواح القدريّة والصّحائف السّماويّة كلّ منها كتاب مشتمل على آيات الرّبوبيّة ودلائل القدرة ، وهكذا صحيفة الأكوان وطومار حوادث الزّمان ودفتر الصّور الجسمانيّة كتاب فيه آيات اللّيل والنّهار الّتي ينشر بعضها وينطوي بعض آخر ويظهر ويكمن ، كما قال :
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ
« 2 » .
فعالم الكلام والقول فيه آيات أمريّة عقليّة علميّة ، وعالم الكتاب والفعل فيه آيات خلقيّة كونيّة عمليّة ، ليطالع الإنسان أوّلا بمشاعر نفسه وبدنه هذه الآيات الفعليّة الكتابيّة الآفاقيّة والأنفسيّة ثمّ يترقّى بها ذاته من مقام الحسّ والنّفس إلى مقام القلب والرّوح ، فيسمع ويفهم تلك الآيات القوليّة الكلاميّة حتّى يعرف بها الحقّ الأوّل ، كما قال :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
« 3 » .
فإذا علمت الفرق بين الكلام والكتاب فاعلم : أنّ هذا القرآن كلام اللّه وكتابه جميعا ، وهو بما هو كلام اللّه نور من أنوار اللّه المعنويّة نازل من لدنه ومنزله الأوّل قلب من يشاء
هامش
( 1 ) - يس / 82 .
( 2 ) - يونس / 6 .
( 3 ) - فصّلت / 53 .