تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
فإذا أعرضت عن البدن والاشتغال بما تحتها من الشّهوة والغضب والحسّ والتّخيّل ، وتوجّهت وولّت بوجهها تلقاء عالم الملكوت الأعلى اتّصلت بالسّعادة القصوى ، ورأت عجائب الملكوت وآيات اللّه الكبرى ، كما في قوله :
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى
« 1 » . ثمّ إنّ هذا الرّوح إذا كانت قدسيّة شديدة القوى ، قويّة الإنارة لما تحتها لا يشغلها جهة فوقها عن جهة تحتها ، فيفي للجانبين وتضبط للطّرفين ، لا يستغرقها لغاية قوّتها وشدّة تمكّنها حسّها الباطن عن حسّها الظّاهر ، وليست كالأرواح العاميّة الضّعيفة ، إذا مالت إلى الجانب الباطن غابت عن الجانب الظّاهر ، وإذا رجعت إلى مطالعة الظّاهر غابت عن مطالعة الباطن ، وإذا حضرت في شهود نشأة احتجبت عن النّشأة الأخرى ، بل إذا ركنت إلى مشعر من المشاعر ذهلت عن الآخر ، وكذلك في القوى العمليّة ، إذا اشتغلت بما تورده قوّة تعطّلت عمّا تورده قوّة أخرى ، وكذلك البصر منها يخلّ بالسّمع ، والخوف يشغلها عن الشّهوة ، والشّهوة تصدّها عن الغضب ، والفكر يعطّلها عن الفعل ، والذّكر يصرفها عن الفكر . والرّوح القدسيّة لا يشغلها شأن عن شأن ، ولا يحجبها نشأة عن نشأة . فإذا توجّهت إلى الأفق الأعلى وتلقّت المعارف بلا تعليم بشريّ من اللّه ، أو من ملائكة اللّه يتعدّى تأثيرها إلى قواها ، ويتمثّل صورة ما شاهدها في روحها البشريّ ، ومنها إلى أجسام العالم ، فيذعن لها طبيعة الخلق الأكبر ، وقواها من النّفوس الجزئيّة ، كما يذعن للملائكة الأقربين لاتّصالها بهم ، فيكون حكمها حكمهم عند اتّصالها بالأفق النّور الإلهيّ . والملائكة القلميّة ذوات حقيقيّة ، ولها ذوات مضافة إلى ما دونها تنشأ منها الملائكة اللّوحيّة ، وأمّا ذواتها الحقيقيّة فهي أمريّة كلاميّة قضائيّة ، وذواتها الإضافية النّفسيّة فهي خلقيّة كتابيّة قدريّة . وإنّما تلاقي الصّنف الأوّل للملائكة من القوى البشريّة الرّوح القدسيّة في اليقظة ، فإذا اتّصلت الرّوح النّبويّة بعالمهم - عالم الوحي الإلهيّ - يسمع كلام اللّه ، وهو إعلام الحقائق بالمكالمة الحقيقيّة بينها وبينه ؛ لكونها في مقام القرب ومقعد الصّدق . والوحي هو
هامش
( 1 ) - النّجم / 18 .