والحيض والنّفاس - مسّ كتابته أو مسّ المصحف ، كما هو عند البعض ، وروى عن محمّد بن عليّ الباقر عليهما السّلام ، وعطاء وطاوس وسالم ، وهو مذهب الشّافعيّ ومالك . ولا لغير المتطهّر من نجاسة كفر القالب بالإقرار بالشّهادتين ، تلاوته وحفظ ألفاظه ، فيكون
لا يَمَسُّهُ
خبرا بمعنى النّهي .
وإن كان عائدا إلى
كِتابٍ مَكْنُونٍ
، وجعلت الجملة الفعليّة صفة له فالمعنى لا يمسّ اللّوح المحفوظ ولا يحمله بما فيه إلّا المجرّدون عن جلباب البشريّة من الإنسان ، والملائكة الّذين وصفوا بالطّهارة من آثام الأجرام كجبرئيل حامل التّنزيل في مقام التّفصيل .
وإن كان عائدا إلى القرآن الكريم من حيث يحمله القلم الأعلى في مقام الإجمال ، حتّى تكون الجملة الاسميّة صفة له ، والفعليّة صفة أخرى بعد صفة ، وهما جميعا صفتان له بعد صفة الكرامة ، فيكون المعنى لا يمسّه إلّا المطهّرون عن نقائص الإمكان وإحداث الحدثان ، وهم أعاظم الأنبياء المرسلين وأكابر الملائكة المقرّبين .
وبالجملة للقرآن درجات كما مرّ ، وكذلك للإنسان بحسبها ، ولكلّ درجة من درجاته حملة يحملونه وحفظة يحفظونه ، ولا يمسّونه إلّا بعد طهارتهم عن حدثهم وحدوثهم وتقدّسهم عن شواغل مكانهم وإمكانهم ، وأدنى المنازل في القرآن ما في الجلد والغلاف - كما أنّ أدون الدّرجات للإنسان هو ما في الجلد والبشرة - ويجب أن لا يحمله الإنسان البشريّ إلّا بعد تطهير بشرته وغلافه من النّجاسة . وهذا كما ورد « أنّ الإيمان ليس بابا واحدا ، بل هو نيف وسبعون بابا ، أعلاها شهادة أن لا إله إلّا اللّه ، وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق » .
ومثاله قول القائل : ليس الإنسان موجودا واحدا ، بل هو نيّف وسبعون موجودا ، أعلاها الرّوح ، وأدناها إماطة الأذى عن البشرة ، بأن يكون مقصوص الشّارب ، مقلوم الأظفار ، نقيّ البشرة عن الأخباث ، حتّى يتميّز عن البهائم المرسلة الملوّثة بأوراثها المستكرهة الصّور بطول مخالبها وأظلافها ، فعلم من هذا أنّ الإنسان ومراتبه مثال مطابق للإيمان ومراتبه ، وكذا حكم القرآن ، وسيأتيك زيادة كشف وبيان .