كلام اللّه وكتابه جميعا وغيره كتاب فقط ، وكلام اللّه أشرف من كتابه بوجوه ؛
أوّلها : أنّ كلامه تعالى قوله ، وكتابه فعله ، والقول أقرب من القائل من الكتاب إلى الكاتب ، فكلام اللّه أشرف من كتابه .
وثانيها : أنّ الكلام والقول من عالم الأمر :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 1 » .
والكتاب من عالم الخلق ، وعالم الأمر كلّه علوم عقليّة وحقائق معنويّة بخلاف عالم الخلق ؛ لأنّ العلوم والمعاني زائدة فيه على صحائف مداركها وألواح مشاعرها .
وثالثها : أنّ كلام اللّه نزل على قلب الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسرّه ، وكتاب اللّه نزلت صورة ألفاظها على ألواح وقراطيس .
ورابعها : أنّ تلقّي الكلام وتعلّمه بأن يتجلّي حقيقته وتنوّر معناه على قلب من يشاء من عباده ؛ لقوله تعالى :
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
« 2 » ، ومن علّمه اللّه تعالى القرآن بهذا التّعليم كان عليه من اللّه فضلا عظيما ، كما قال لحبيبه بعد تعليمه :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
« 3 » ، فتلقّيه صلّى اللّه عليه وآله بالقرآن من حيث هو قرآن بأن يتخلّق به ؛ إذ كان القرآن خلقه ، كما هو المرويّ عن بعض أزواجه حين سئلت عن خلقه صلّى اللّه عليه وآله فإنّ اللّه يقول :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
« 4 » ، قالت : كان خلقه القرآن « 5 » . وأمّا تلقّي الكتاب وتعلّمه فبالدّراسة والقراءة والتّلاوة ، فالأنبياء : يتدارسون الكتب ؛ لقوله تعالى :
مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها
« 6 » .
وخامسها : أنّ تنزيل القرآن على قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ومكاشفة أسراره منه وتجلّي أنواره له أمر بينه وبين اللّه لا يطّلع عليه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ، وأمّا إنزال الكتب على سائر
هامش
( 1 ) - النّحل / 40 .
( 2 ) - الشّورى / 52 .
( 3 ) - النّساء / 113 .
( 4 ) - القلم / 4 .
( 5 ) - المسند : 6 : 19 و 163 عن عائشة .
( 6 ) - سبأ / 44 .