كان هذا نهيا عن الاستعجال في تلقّي الوحي من جبرئيل والمساوقة معه في القراءة ، حتّى يتمّ الوحي . وكان هذا النّهي بعد ذكر نزول هذه الآية على سبيل الاستطراد ، فالآية لا تستلزم أنّ التّلقّي والمساوقة قبل نزولها كان منهيّ عنه ، وينافي عصمته عليه السّلام ، قاله ابن عبّاس والحسن والجبّائيّ .
أو بمعنى إن نزلت عليك آية وسورة مجملة لا تقرأ على أصحابك ، ولا تملي عليهم حتّى ينزل بيانه إليك ، ويبيّن لك معانيه ، قاله مجاهد وقتادة وعطيّة وابن مسلم .
أو أنّها تعني لا تسأل إنزال القرآن قبل أن يأتيك وحيه ؛ لأنّ اللّه تعالى ينزّله بحسب المناسبة ، قاله الماورديّ . [ ثمّ ذكر شأن نزول الآية نقلا عن ابن الجوزيّ كما تقدّم عنه ، ثمّ قال : ] بناء على هذا فمعنى هذه الآية أنّه لا تحكم بشيء إلّا بعد نزول القرآن .
قوله تعالى :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
أي زدني علما بالأحكام الشّرعيّة ، أعني أكرمني منه علما بعد علم . أو زدني علم القرآن ومعانيه ، أي علّمني نزول آية بعد آية وسورة بعد سورة ، أو بيّن معناه . أو زدني علما بقصص الأنبياء وبمنازلهم . أو زدني في حفظي حتّى لا أنسى بما توحي إليّ ، والمقصود بدل الاستعجال في القراءة حتّى تسأل الزّيادة بما سيوحى إليك ويصلك ، وستحفظه في خاطرك . ( 6 : 30 )
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ . . .
الشّعراء / 192
عَلى قَلْبِكَ
، أي لقّنك جبرئيل على الوجه الّذي كان مأمورا به ، وتعلّمت منه ، وحفظت في قلبك بلا تبديل وتغيير .
وتنزيل جبرئيل من جانب اللّه تعالى على قلب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم كان على سبيل التّوسّع ؛ لأنّ حقيقة المعنى هو أنّ اللّه تعالى أسمع القرآن لجبرئيل وكان هو يحفظه ، فأنزله على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وأقرأه عليه ، وكان هو يحفظه أيضا بقلبه ، فكأنّ نفس جبرئيل نزلت مع القرآن على قلبه .
وقرأ حفص بتخفيف
نَزَلَ
، ورفع الحاء والنّون في
بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
، والباء في ( به ) للتّعدية ، أي أنزله جبرئيل على قلبك . [ ثمّ ذكر قول البيضاويّ حول كيفيّة نزوله على