وإحكاما .
وقد أخرج أحمد والبيهقيّ في الشّعب عن واثلة . . . [ وذكر كما عن الطّبريّ ، ثمّ قال : ]
وهذا كلّه مطابق لقوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
« 1 » ولقوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
« 2 » . فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السّنة كانت تلك اللّيلة ، فأنزل فيها جملة إلى سماء الدّنيا ، ثمّ أنزل في الرّابع والعشرين ، إلى الأرض ، أوّل :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
« 3 » . وفي إنزال القرآن مفرّقا وجوه من الحكمة .
منها : تسهيل حفظه ، وتكرير لفظه ؛ لأنّه لو نزل جملة واحدة ، على أمّة أمّيّة ، لا يقرأ غالبهم ، ولا يكتب ، لشقّ عليهم حفظه ، وثقل لفظه ، كما أشار إلى ذلك سبحانه وتعالى بقوله ردّا على الكفّار :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ
، أي أنزلناه مفرّقا ،
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
« 4 » ، أي لنقوّي بتفريقه فؤادك ، حتّى تعيه وتحفظه ؛ لأنّ الملقّن إنّما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئا بعد شيء ، وجزءا بعد جزء ، ولو ألقي عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه . وبقوله تعالى :
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
« 5 » ، أي على حسب الوقائع ، فقد يسّره تعالى للذّكر ، وإلّا فالطّاقة البشريّة تعجز قواها عن حفظه وحمله . ولقد شهد بذلك قوله تعالى :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ
« 6 » ،
الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ
« 7 » . وانظر إلى قوله سبحانه :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
« 8 » ، وقوله :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ
هامش
( 1 ) - البقرة / 185 .
( 2 ) - القدر / 1 .
( 3 ) - العلق / 1 .
( 4 ) - الفرقان / 32 .
( 5 ) - الإسراء / 106 .
( 6 ) - القمر / 17 ، 32 ، 40 .
( 7 ) - الرّحمن / 1 .
( 8 ) - الحشر / 21 .