وقال البيهقيّ في معنى قوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ :
يريد واللّه أعلم : إنّا أسمعنا الملك وأفهمناه إيّاه وأنزلناه بما سمع ، فيكون الملك منتقلا به من علوّ إلى أسفل .
قال أبو شامة : هذا المعنى مطّرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن ، أو إلى شيء منه يحتاج إليه أهل السّنّة المعتقدون قدم القرآن وأنّه صفة قائمة بذات اللّه تعالى .
قلت : ويؤيّد أنّ جبريل تلقّفه سماعا من اللّه تعالى ما أخرجه الطّبرانيّ من حديث النّواس بن سمعان مرفوعا : إذا تكلّم اللّه بالوحي أخذت السّماء رجفة شديدة من خوف اللّه ، فإذا سمع بذلك أهل السّماء صعقوا وخرّوا سجّدا ، فيكون أوّلهم يرفع رأسه جبريل فيكلّمه اللّه من وحيه بما أراد ، فينتهي به على الملائكة ، فكلّما مرّ بسماء سأله أهلها : ما ذا قال ربّنا ؟ قال : الحقّ . فينتهى به حيث أمر .
وأخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود رفعه : « إذا تكلّم اللّه بالوحي سمع أهل السّماوات صلصلة كصلصلة السّلسة على الصّفوان ، فيفزعون ويرون أنّه من أمر السّاعة .
وأصل الحديث في الصّحيح .
وفي تفسير عليّ بن سهل النّيسابوريّ : قال جماعة من العلماء . . . [ وذكر كما تقدّم عن أبي شامة ، ثمّ قال : ]
وقال : الجوينيّ : كلام اللّه المنزّل قسمان : قسم قال اللّه لجبريل : قل للنّبيّ الّذي أنت مرسل إليه : إنّ اللّه يقول : افعل كذا وكذا ، وأمر بكذا وكذا ، ففهم جبريل ما قاله ربّه ، ثمّ نزل على ذلك النّبيّ وقال له ما قاله ربّه ، ولم تكن العبارة تلك العبارة ، كما يقول الملك لمن يثق به : قل لفلان : يقول لك الملك : اجتهد في الخدمة ، واجمع جندك للقتال ، فإن قال الرّسول :
يقول الملك : لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند تتفرّق ، وحثّهم على المقاتلة ، لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرّسالة . وقسم آخر قال اللّه لجبريل : اقرأ على النّبيّ هذا الكتاب ، فنزل جبريل بكلمة من اللّه من غير تغيير ، كما يكتب الملك كتابا ويسلّمه إلى أمين ، ويقول : اقرأه على فلان ، فهو لا يغيّر منه كلمة ولا حرفا - انتهى .
قلت : القرآن هو القسم الثّاني ، والقسم الأوّل هو السّنّة ، كما ورد أنّ جبريل كان ينزل بالسّنّة كما ينزل بالقرآن . ومن هنا جاز رواية السّنة بالمعنى ، إلّا أنّ جبريل أدّاه بالمعنى ،