تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
والنّزول لا بالذّات ، وهو ظاهر ، لامتناع انتقال شيء من صفات اللّه تعالى عنه ، ولا بتبعيّة موصوفه الّذي هو ذات الواجب تعالى وتقدّس ؛ لاستحالة الحركة عليه حتّى تتحرّك صفاته تبعا له . وإنّما المنزل هو الكلام اللّفظيّ الحادث المركّب من الألفاظ والحروف المؤلّفة من الآيات والسّور ، وهو القرآن المعجز المتحدّى به ؛ لكونه كلام اللّه حقيقة على أنّه مخلوق اللّه تعالى ليس من تأليف المخلوقين ، لا على معنى أنّه صفة قائمة بذاته تعالى ؛ لأنّه حادث ويمتنع قيام الحوادث به تعالى . ويجوز أن يخلق اللّه تعالى أصواتا مقطّعة مؤلّفة على هذا النّظم المخصوص ، فيأخذها جبريل عليه السّلام ، ويخلق له علما ضروريّا أنّه هو العبارة المؤدّية لمعنى ذلك الكلام النّفسيّ القديم الّذي هو كلام اللّه على معنى أنّه صفة له قائمة به مع أنّ الأشاعرة يجوّزون أن يسمع كلامه تعالى الأزليّ بلا صوت وحرف ، كما يرى ذاته تعالى في الآخرة بلا كمّ وكيف فعلى هذا يجوز أن يخلق اللّه تعالى لجبريل عليه السّلام وهو في مقامه عند سدرة المنتهى ؛ سماعا لكلامه الأزليّ وإن لم يكن من جنس الحروف والأصوات ، ثمّ يقدّره على عبارة يعبّر بها عن ذلك الكلام القديم . وقيل : أظهر اللّه تعالى في اللّوح المحفوظ كتابة هذا النّظم المخصوص ونقشه ، فقرأه جبريل عليه السّلام وحفظه . وخلق اللّه تعالى فيه علما ضروريّا بأنّه هو نفس العبارة المؤدّية للمعنى القديم ، على أنّ إنزال الملك الكتاب السّماويّ لا يتوقّف على سماع اللّفظ ، لجواز أن يتلقّفه الملك تلقّفا روحانيّا ، أي لا جسمانيّا ، بأن يلهم اللّه تعالى الملك ذلك المعنى القديم ، ويخلق فيه قدرة على التّعبير عنه ، ويسمّى النّظم الصّادر عنه كلام اللّه تعالى باعتبار كونه عبارة عن الكلام النّفسيّ دالّا عليه . ثمّ إنّ الكلام النّفسيّ لكونه غير متحيّز بالذّات بل هو عرض قائم بالموضوع لا يكون إنزاله وتنزيله إلّا تبعا لحامله ومبلّغه ، فإنّه تعالى لمّا نزّل جبريل عليه السّلام وحرّكه إلى أسفل وهو حامل للقرآن بأن أمره بالحركة إلى أسفل ، فتحرّك هو بأمره تعالى ، فقد تحرّك القرآن القائم به تبعا لحركته . فينبغي أن يكون قوله :
نَزَّلَ الْفُرْقانَ
مجازا على طريق إطلاق اسم العرض الحالّ على المحلّ الّذي هو ذلك الحامل ، فإنّه هو المنزّل بالذّات والأصالة والقرآن منزّل تبعا له . والمعنى نزّل القرآن بواسطة تنزيل جبريل عليه السّلام ثمّ إنّ القرآن العظيم يصحّ أن