لجبريل المأمور بالإنزال والتّأدية ، ولا سيّما على رأي الفلاسفة الّذين جبريل عندهم هو العقل الفعّال الأخير ، الّذي يدبّر عالم الكون والفساد وخاصّة نوع الإنسان .
وعلى هذا القول يحتمل أن يقال : إنّ اللّه تعالى أنزل كلّ القرآن من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ليلة القدر ، ثمّ نزّله على محمّد صلّى اللّه عليه وسلم منجّما إلى آخر عمره .
ويحتمل أن يقال : إنّه سبحانه كان ينزّل إلى السّماء الدّنيا ليلة القدر كلّ سنة ما يحتاجون إليه في تلك السّنة ، وكذلك أبدا إلى أن تمّ إنزاله . وعلى هذا يكون تعيّن رمضان الّذي أنزل فيه القرآن نوعيّا لا شخصيّا . ( 2 : 109 )
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ . . .
الإسراء / 105
ثمّ إنّ القوم كأنّهم من تعنّتهم طعنوا في القرآن من جهة أنّه لم ينزل دفعة واحدة ، فأجاب عن شبهتهم بقوله :
وَقُرْآناً
، هو منصوب بفعل يفسّره .
فَرَقْناهُ
، أي جعلنا نزوله مفرّقا منجّما .
عن ابن عبّاس ، أنّه قرأ مشدّدا ، وقال : إنّه لم ينزّل في يومين أو ثلاثة ، بل كان بين أوّله وآخره عشرون سنة ، يعني أنّ « فرق » بالتّخفيف يدلّ على فصل مقارب .
وقال أبو عبيدة : التّخفيف أعجب إليّ ؛ لأنّ تفسيره بيّناه ، وليس للتّشديد معنى إلّا أنّه نزل متفرّقا ، فالفرق يتضمّن التّبيين . ويؤكّده ما رواه ثعلب عن ابن الأعرابيّ أنّه قال :
فرقت أفرق بين الكلام ، وفرّقت بين الأجسام .
وأقول : إنّ ابن عبّاس اعتبر الفصل بين أوّل نزوله وبين آخره ، فرأى التّشديد أولى ، ولعلّ المراد الفصول المتقاربة الّتي فيما بين المدّة ، بدليل قوله :
لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ
، أي على مهل وتؤدة ، ولقوله :
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ،
أي على حسب المصالح والحوادث . ( 15 : 91 - 92 )
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً . . .
الفرقان / 32
ثمّ حكى عنهم شبهة خامسة ، وهي قولهم : هلّا نزل عليه القرآن حال كونه جملة