القرآن جملة واحدة من عند اللّه عزّ وجلّ في اللّوح المحفوظ إلى السّفرة الكرام الكاتبين في السّماء ، فنجّمه السّفرة الكرام على جبريل عشرين ليلة ، ونجّمه جبريل عليه السّلام على محمّد عشرين سنة . قال : فهو قوله :
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
، يعني نجوم القرآن
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
« 1 » . قال : فلمّا لم ينزل على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم جملة واحدة
قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
، فقال اللّه تبارك وتعالى :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
يا محمّد .
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
يقول : ورسّلناه ترسيلا ؛ يقول : شيئا بعد شيء .
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
يقول : لو أنزلنا عليك القرآن جملة واحدة ثمّ سألوك لم يكن عندك ما تجيب به ، ولكن نمسك عليك فإذا سألوك أجبت .
قال النّحّاس : وكان ذلك من علامات النّبوّة ؛ لأنّهم لا يسألون عن شئ إلّا أجيبوا عنه ، وهذا لا يكون إلّا من نبيّ ، فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم ، ويدلّ على هذا
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
، ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل عليهم ، وعلم اللّه عزّ وجلّ أنّ الصّلاح في إنزاله متفرّقا ؛ لأنّهم ينبّهون به مرّة بعد مرّة ، ولو نزل جملة واحدة لزال معني التّنبيه وفيه ناسخ ومنسوخ ، فكانوا يتعبّدون بالشّيء إلى وقت بعينه قد علم اللّه عزّ وجلّ فيه الصّلاح ، ثمّ ينزل النّسخ بعد ذلك ، فمحال أن ينزّل جملة واحدة : افعلوا كذا ، ولا تفعلوا .
قال النّحّاس : والأولى أن يكون التّمام
جُمْلَةً واحِدَةً
؛ لأنّه إذا وقف على
كَذلِكَ
صار المعنى كالتّوراة والإنجيل والزّبور ولم يتقدّم لها ذكر . ( 13 : 28 - 29 )
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
الدّخان / 3
والهاء في
أَنْزَلْناهُ
للقرآن . . . واللّيلة المباركة ليلة القدر . ويقال : ليلة النّصف من شعبان . . . وروى قتادة عن واثلة . . . [ وذكر كما تقدّم عن الطّبريّ ، ثمّ قال : ]
هامش
( 1 ) - الواقعة / 75 - 77 .