يكون في تلك السّنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى مثل هذه اللّيلة من السّنة الآتية ، ونظيره قوله تعالى :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
« 1 » . واعلم أنّ تقدير اللّه لا يحدث في تلك اللّيلة ، فإنّه تعالى قدّر المقادير قبل أن يخلق السّماوات والأرض في الأزل ، بل المراد إظهار تلك المقادير للملائكة في تلك اللّيلة بأن يكتبها في اللّوح المحفوظ ، وهذا القول اختيار عامّة العلماء .
الثّاني : نقل عن الزّهريّ أنّه قال :
لَيْلَةِ الْقَدْرِ :
ليلة العظمة والشّرف ، من قولهم :
لفلان قدر عند فلان ، أي منزلة وشرف ، ويدلّ عليه قوله :
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
« 2 » .
ثمّ هذا يحتمل وجهين ؛
أحدهما : أن يرجع ذلك إلى الفاعل ، أي من أتى فيها بالطّاعات صار ذا قدر وشرف .
وثانيهما : إلى الفعل ، أي الطّاعات لها في تلك اللّيلة قدر زائد وشرف زائد ، وعن أبي بكر الورّاق سمّيت ( ليلة القدر ) لأنّه نزل فيها كتاب ذو قدر ، على لسان ملك ذي قدر ، على أمّة لها قدر ، ولعلّ اللّه تعالى إنّما ذكر لفظة القدر في هذه السّورة ثلاث مرّات لهذا السّبب . . . [ إلى أن قال : ]
المسألة السّابعة : هذه اللّيلة هل هي باقية ؟ قال الخليل : من قال : إنّ فضلها لنزول القرآن فيها ، يقول : انقطعت وكانت مرّة ، والجمهور على أنّها باقية . وعلى هذا هل هي مختصّة برمضان أم لا ؟ روي عن ابن مسعود أنّه قال : من يقم الحول يصبها . وفسّرها عكرمة بليلة البراءة في قوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
« 3 » ، والجمهور على أنّها مختصّة برمضان ، واحتجّوا عليه بقوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
« 4 » ، وقاله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
« 5 » . فوجب أن تكون ليلة القدر في رمضان ؛ لئلّا يلزم التّناقض ، وعلى هذا القول اختلفوا في تعيينها على ثمانية أقوال ؛ فقال ابن رزين : ليلة القدر هي اللّيلة
هامش
( 1 ) - الدّخان / 3 .
( 2 ) - القدر / 3 .
( 3 ) - الدّخان / 3 .
( 4 ) - البقرة / 185 .
( 5 ) - القدر / 1 .