المسألة الأولى : « اليسرى » هي أعمال الخير الّتي تؤدّي إلى اليسر ، إذا عرفت هذا فنقول : للمفسّرين فيه وجوه ؛
أحدها : أنّ قوله :
وَنُيَسِّرُكَ
معطوف على
سَنُقْرِئُكَ
، وقوله :
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى
اعتراض ، والتّقدير سنقرئك فلا تنسى ، ونوّفقك للطّريقة الّتي هي أسهل وأيسر ، يعني في حفظ القرآن .
وثانيها : قال ابن مسعود : اليسرى : الجنّة ، والمعنى نيسّرك للعمل المؤدّي إليها .
وثالثها : نهوّن عليك الوحي حتّى تحفظه وتعلمه وتعمل به .
ورابعها : نوفّقك للشّريعة ، وهي الحنيفيّة السّهلة السّمحة ، والوجه الأوّل أقرب .
المسألة الثّانية : لسائل أن يسأل فيقول : العبارة المعتادة أن يقال : جعل الفعل الفلانيّ ميسّر الفلان ، ولا يقال : جعل فلان ميسّرا للفعل الفلانيّ ، فما الفائدة فيه هاهنا ؟
الجواب : أنّ هذه العبارة كما أنّها اختيار القرآن في هذا الموضع ، وفي سورة اللّيل أيضا ، فكذا هي اختيار الرّسول في قوله عليه السّلام : « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » وفيه لطيفة علميّة ، وذلك لأنّ ذلك الفعل في نفسه ماهيّة ممكنة قابلة للوجود والعدم على السّويّة ، فما دام القادر يبقى بالنّسبة إلى فعلها وتركها على السّويّة امتنع صدور الفعل عنه ، فإذا ترجّح جانب الفاعليّة على جانب التّاركيّة ، فحينئذ يحصل الفعل ، فثبت أنّ الفعل ما لم يجب لم يوجد ، وذلك الرّجحان هو المسمّى بالتّيسير ، فثبت أنّ الأمر بالتّحقيق هو أنّ الفاعل يصير ميسّرا للفعل ، لا أنّ الفعل يصير ميسّرا للفاعل ، فسبحان من له تحت كلّ كلمة حكمة خفيّة وسرّ عجيب يبهر العقول .
المسألة الثّالثة : إنّما قال :
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
بنون التّعظيم لتكون عظمة المعطي دالّة على عظمة العطاء نظيره قوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ
« 1 » ،
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
« 2 » ،
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
« 3 » . دلّت هذه الآية على أنّه سبحانه فتح عليه من أبواب التّيسير والتّسهيل ما لم
هامش
( 1 ) - القدر / 1 .
( 2 ) - الحجر / 9 .
( 3 ) - الكوثر / 1 .