ومنها : أنّا إذا جعلناه خبرا كان معنى الآية بشارة اللّه إيّاه بأنّي أجعلك بحيث لا تنساه ، وإذا جعلناه نهيا كان معناه أنّ اللّه أمره بأن يواظب على الأسباب المانعة من النّسيان ، وهي الدّراسة والقراءة ، وهذا ليس في البشارة وتعظيم حاله مثل الأوّل ، ولأنّه على خلاف قوله :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ .
أمّا قوله :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
ففيه احتمالان ؛
أحدهما : أن يقال : هذا الاستثناء غير حاصل في الحقيقة وأنّه عليه السّلام لم ينس بعد ذلك شيئا ، قال الكلبيّ : إنّه عليه السّلام لم ينس بعد نزول هذه الآية شيئا . وعلى هذا التّقدير يكون الغرض من قوله :
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
أحد أمور ؛
أحدها : التّبرّك بذكر هذه الكلمة على ما قال تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 1 » .
وكأنّه تعالى يقول : أنا مع أنّي عالم بجميع المعلومات وعالم بعواقب الأمور على التّفصيل لا أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إلّا مع هذه الكلمة ، فأنت وأمّتك يا محمّد أولى بها .
وثانيها : قال الفرّاء : إنّه تعالى ما شاء أن ينسى محمّد عليه السّلام شيئا ، إلّا أنّ المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنّه تعالى لو أراد أن يصير ناسيا لذلك لقدر عليه ، كما قال :
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
« 2 » . ثمّ إنّا نقطع بأنّه تعالى ما شاء ذلك ، وقال لمحمّد عليه السّلام :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
« 3 » ، مع أنّه عليه السّلام ما أشرك البتّة . وبالجملة ففائدة هذا الاستثناء أنّ اللّه تعالى يعرّفه قدرة ربّه حتّى يعلم أنّ عدم النّسيان من فضل اللّه وإحسانه لا من قوّته .
وثالثها : أنّه تعالى لمّا ذكر هذا الاستثناء جوّز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في كلّ ما ينزّل عليه من الوحي قليلا كان أو كثيرا أن يكون ذلك هو المستثنى ، فلا جرم كان يبالغ في التّثبّت والتّحفّظ والتّيقّظ في جميع المواضع ، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء بقاءه عليه السّلام على
هامش
( 1 ) - الكهف / 23 .
( 2 ) - الإسراء / 86 .
( 3 ) - الزّمر / 65 .