أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
« 1 » ، وقوله :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
« 2 » ، ثمّ ذكروا في كيفيّة ذلك الاستقراء والتّعليم وجوها ؛
أحدها : أنّ جبريل عليه السّلام سيقرأ عليك القرآن مرّات حتّى تحفظه حفظا لا تنساه .
وثانيها : أنّا نشرح صدرك ونقوّي خاطرك حتّى تحفظ بالمرّة الواحدة حفظا لا تنساه .
وثالثها : أنّه تعالى لمّا أمره في أوّل السّورة بالتّسبيح فكأنّه تعالى قال : واظب على ذلك ودم عليه ، فإنّا سنقرئك القرآن الجامع لعلوم الأوّلين والآخرين ويكون فيه ذكرك وذكر قومك ونجمعه في قلبك ، ونيسّرك لليسرى والعمل به .
المسألة الثّانية : هذه الآية تدلّ على المعجزة من وجهين ؛ الأوّل : أنّه كان رجلا أمّيّا ، فحفظه لهذا الكتاب المطوّل من غير دراسة ولا تكرار ولا كتبة خارق للعادة ، فيكون معجزا . الثّاني : أنّ هذه السّورة من أوائل ما نزل بمكّة ، فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة ، سيقع في المستقبل ، وقد وقع ، فكان هذا إخبارا عن الغيب فيكون معجزا .
أمّا قوله :
فَلا تَنْسى
فقال بعضهم :
فَلا تَنْسى
معناه النّهي ، والألف مزيدة للفاصلة ، كقوله :
السَّبِيلَا
« 3 » يعني فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه إلّا ما شاء اللّه أن ينسيكه .
والقول المشهور أنّ هذا خبر ، والمعنى سنقرئك إلى أن تصير بحيث لا تنسى وتأمن النّسيان ، كقولك : سأكسوك فلا تعرى ، أي فتأمن العري . واحتجّ أصحاب هذا القول على ضعف القول الأوّل بأنّ ذلك القول لا يتمّ إلّا عند التزام مجازات في هذه الآية .
منها : أنّ النّسيان لا يقدر عليه إلّا اللّه تعالى ، فلا يصحّ ورود الأمر والنّهي به ، فلا بدّ وأن يحمل ذلك على المواظبة على الأشياء الّتي تنافي النّسيان مثل الدّراسة وكثرة التّذكر .
وكلّ ذلك عدول عن ظاهر اللّفظ .
ومنها : أن تجعل الألف مزيدة للفاصلة ، وهو أيضا خلاف الأصل .
هامش
( 1 ) - طه / 114 .
( 2 ) - القيامة / 16 .
( 3 ) - الأحزاب / 67 .