فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ . . .
عبس / 12 - 13
اعلم أنّه تعالى وصف تلك التّذكرة بأمرين ؛
الأوّل : قوله :
فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ
، أي هذه تذكرة بيّنة ظاهرة ؛ بحيث لو أرادوا فهمها والاتّعاظ بها والعمل بموجبها ، لقدروا عليه .
والثّاني : قوله :
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ
، أي تلك التّذكرة معدّة في هذه الصّحف المكرّمة . والمراد من ذلك تعظيم حال القرآن والتّنويه بذكره ، والمعنى أنّ هذه التّذكرة مثبتة في صحف ، وفي المراد من الصّحف قولان .
[ القول ] الأوّل : أنّها صحف منتسخة من اللّوح مكرّمة عند اللّه تعالى مرفوعة في السّماء السّابعة ، أو مرفوعة المقدار مطهّرة عن أيدي الشّياطين ، أو المراد مطهّرة بسبب أنّها لا يمسّها إلّا المطهّرون وهم الملائكة .
ثمّ قال تعالى :
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ
، وفيه مسألتان ؛
المسألة الأولى : أنّ اللّه تعالى وصف الملائكة بثلاثة أنواع من الصّفات ؛
أوّلها : أنّهم
سَفَرَةٍ
، وفيه قولان ؛
الأوّل : قال ابن عبّاس ومجاهد ومقاتل وقتادة : هم الكتبة من الملائكة : قال الزّجّاج :
السّفرة : الكتبة ، واحدها سافر ، مثل كتبة وكاتب ، وإنّما قيل للكتبة سفرة وللكاتب سافر ، لأنّ معناه أنّه الّذي يبيّن الشّيء ويوضّحه ، يقال : سفرت المرأة ، إذا كشفت عن وجهها .
القول الثّاني : وهو اختيار الفرّاء ؛ أنّ السّفرة هاهنا هم الملائكة الّذين يسفرون بالوحي بين اللّه وبين رسله ، واحدها سافر ، والعرب تقول : سفرت بين القوم ، إذا أصلحت بينهم فجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي اللّه وتأديته ، كالسّفير الّذي يصلح به بين القوم ، وأنشدوا :
وما أدع السّفارة بين قومي * وما أمشي بغشّ إن مشيت
واعلم أنّ أصل السّفارة من الكشف ، والكاتب إنّما يسمّى سافرا لأنّه يكشف ، والسّفير إنّما سمّي سفيرا أيضا لأنّه يكشف ، وهؤلاء الملائكة لمّا كانوا وسائط بين اللّه وبين البشر في البيان والهداية والعلم ، لا جرم سمّوا سفرة .