ثبتت نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، وبه ظهر الفرق بين الحقّ والباطل في سائر كتب اللّه المنزّلة ، كما قال في صفته :
وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ
« 1 » . وبه ظهرت درجات أرباب السّعادات ، ودركات أرباب الشّقاوات . فعلى هذا لا شيء إلّا والقرآن أعظم قدرا وأعلى ذكرا وأعظم منصبا منه ، فلو كان نزوله إنّما وقع في ليلة أخرى سوى ليلة القدر ، لكانت ليلة القدر هي هذه الثّانية لا الأولى ، وحيث أطبقوا على أنّ ليلة القدر هي الّتي وقعت في رمضان ، علمنا أنّ القرآن إنّما أنزل في تلك اللّيلة . وأمّا القائلون بأنّ المراد من اللّيلة المباركة المذكورة في هذه الآية ، هي ليلة النّصف من شعبان ، فما رأيت لهم فيه دليلا يعوّل عليه ، وإنّما قنعوا فيه بأن نقلوه عن بعض النّاس ، فإن صحّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيه كلام فلا مزيد عليه . وإلّا فالحقّ هو الأوّل ، ثمّ إنّ هؤلاء القائلين بهذا القول زعموا أنّ ليلة النّصف من شعبان لها أربعة أسماء :
اللّيلة المباركة ، وليلة البراءة ، وليلة الصّكّ ، وليلة الرّحمة . وقيل : إنّما سمّيت بليلة البراءة ، وليلة الصّكّ ، لأنّ البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة ، كذلك اللّه عزّ وجلّ يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه اللّيلة . . . [ إلى أن قال : ]
المسألة السّادسة : روي أنّ عطيّة الحروريّ ، سأل ابن عبّاس رضى اللّه عنه عن قوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
، وقوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
، كيف يصحّ ذلك مع أنّ اللّه تعالى أنزل القرآن في جميع الشّهور ؟ فقال ابن عبّاس رضى اللّه عنه : يا ابن الأسود ، لو هلكت أنا ووقع هذا في نفسك ولم تجد جوابه لهلكت ، نزل القرآن جملة من اللّوح المحفوظ إلى البيت المعمور ، وهو في السّماء الدّنيا ، ثمّ نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالا فحالا ، واللّه أعلم .
المسألة السّابعة : في بيان نظم هذه الآيات ، اعلم : أنّ المقصود منها تعظيم القرآن من ثلاثة أوجه ؛ أحدها : بيان تعظيم القرآن بحسب ذاته ، الثّاني : بيان تعظيمه بسبب شرف الوقت الّذي نزل فيه ، والثّالث : بيان تعظيمه بحسب شرف منزله .
أمّا بيان تعظيمه بحسب ذاته فمن ثلاثة أوجه ؛
أحدها : أنّه تعالى أقسم به وذلك يدلّ على شرفه .
هامش
( 1 ) - مائدة / 48 .